#dfp #adsense

شكراً لمكتب التعبئة والتنسيق في الحرس الثوري الايراني

حجم الخط

شكراً لمكتب التعبئة والتنسيق في الحرس الثوري الايراني

حسن صبرا

 

حتى لو نفى حزب الله ما اوردته جريدة ((الشرق الاوسط)) على لسان مصادر قريبة من مكتب ((التنسيق والتعبئة)) للحرس الثوري الايراني في طهران، ((بسحب مسؤوليات)) القائد العام للجناح العسكري لحزب الله من الامين العام حسن نصر الله، ومنحها بصورة مؤقتة الى نائبه نعيم قاسم، فإن رمي الخبر الايراني بهذه الطريقة يحمل دلالات وتبعات خطيرة جداً تبدو اهميتها انها صادرة من منابع ايرانية بحتة، وهي من حيث الشكل والمضمون تحفـز على تقييم جديد قديم لطبيعة هذا الحزب على الارض اللبنانية، وفي هذه المرحلة بالذات.

 

من حيث الشكل

يبدو الخبر الايراني الخاص بفرقة من فرق الحرس الثوري الايراني عبر الحدود، وهو حزب الله في لبنان تعبيراً عن امر ما يتم داخل هذا الحرس في طهران، سواء كان صراعاً بين اجنحة الحرس، او موقفاً معترضاً داخل هذا الحرس من قياداته على أداء قائد هذه الفرقة في لبنان (حسن نصر الله).

 

ومن حيث الشكل ايضاً، فإن ايراد الخبر (رغم نفيه) منسوباً الى ((مكتب التعبئة والتنسيق)) في قرار داخلي للحرس الثوري الايراني، هو توكيد لحقيقة عضوية موقع حزب الله داخل هذا التشكيل الميليشياوي، العسكري الايراني، بحيث ان تغييراً بحجم ازاحة امين عام حزب الله ذي المكانة اللبنانية والعربية والاسلامية غير المسبوقة لأي شخصية لبنانية او عربية، الا لكبار كبار راحلين، هو قرار تفصيلي داخلي في مؤسسة امنية – عسكرية – ميليشياوية ايرانية، لا يحتاج حتى الى قرار سياسي لا من قيادة الحرس مثلاً، ولا من وزارته، ولا من رئيس الجمهورية وطبعاً ليس من مكتب علي خامنئي حيث ما زال الاخير يمنح نصر الله صفة وكيله السياسي في لبنان، الى جانب وكيله الشرعي الآخر محمد يزبك.

 

ومن حيث الشكل ايضاً فإن نفي الخبر في الزميلة السعودية الدولية نفسها لم يأت من اي مصدر ايراني آخر، بل من حزب الله نفسه، في توكيد بأن مصدر الخبر الايراني لم يقابل بمصدر ايراني آخر ينفي، بل بنفي حزبي لبناني يعرف قبل غيره ان مكانته في لبنان امر آخر مختلف تماماً عن مكانته داخل ايران.

 

فهو في لبنان قائد المعارضة اللبنانية التي تسيطر على قرار السلم والحرب في هذا الوطن، والتي تهدد بتقسيم البلد وتفتيته، والتي تحاصر حكومته وتقفل مجلس نوابه وتمنع انتخاب رئيس للجمهورية فيه، وتهدد اكثرية اللبنانيين بـ 30 الف صاروخ وعشرات آلاف المسلحين المنشورين في مواقع مختلفة من مناطق لبنان تمهيداً للانقضاض على المؤسسات والمدن والقرى والاراضي والمواقع..

 

اما في ايران فإن حزب الله هو تفصيل صغير يقرر امره ((مكتب تعبئة وتنسيق)) محدداً حجمه بما يسمح لمكتب ما داخل الحرس الثوري الايراني بأن يخلع امينه العام بكل الصفات التي له ومنحها.. ((تصوروا)، منحها لمسؤول آخر في هذه الفرقة الايرانية عبر الحدود.

 

ومن حيث الشكل اخيراً، فإن عبارة منح موقع القائد العام للجناح العسكري لحزب الله في لبنان لنائب امينه العام نعيم قاسم، وسحبه من الامين العام حسن نصر الله توكيد لما يجهد اساتذة القانون (ومفردات القاموس) السياسي انفسهم امام تلامذتهم لشرحه ((qui donne or donne))  أي من يمنح.. يأمر.

شكراً لمكتب التنسيق والتعبئة في الحرس الثوري الايراني.

 

اما في المضمون

1- فإن هذا اعلان رسمي ايراني لم يتم نفيه حتى الآن، بأن ايران الدولة الفارسية على بعد آلاف الكلمترات عن لبنان نجحت في اقامة دولة مستقلة، داخل الاراضي اللبنانية، من خلال احدى فرقها المسلحة واسمها في لبنان حزب الله.

فهي تمول هذه الدولة بما يسمح لها بأن تقيم لها جيشاً مدججاً بالسلاح، ومؤسسات امنية، ورعايات اجتماعية واقتصادية ومالية وتوجيهات ثقافية واعلامية، والزامات وتكليفات فقهية لا علاقة لها بلبنان أو مصالحه بها، وهي وجدت فقط لخدمة المصالح الايرانية البحتة.

 

2- وهذه الدولة الفارسية في ايران، مع نجاحها بإقامة دولة لها في لبنان نجحت ايضاً بأن يكون لهذه الدولة جمهور لبناني بحت، صحيح انه على المذهب الشيعي في الاسلام، لكنه جمهور لبناني يلتزم بقرارات حزب الله في طبيعته الفارسية، وفي تركيبته العضوية الكاملة في احدى مؤسسات الدولة الايرانية.

 

انه امر مختلف تماماً عن التزام الحزب الشيوعي اللبناني مثلاً بقرارات وتوجيهات المكتب السياسي للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي السابق، حيث لم يكن للحزب الشيوعي في لبنان جمهور، بل اعضاء حزبيون فقط، ولم يكن هناك ارتباط عضوي لبناني بالحزب الشيوعي السوفياتي، ولم تكن العقيدة الشيوعية تحمل من القداسة ما يلزم شيوعيي لبنان بعبادتها كما في حال جمهور حزب الله في لبنان الذي يأتيه التكليف الشرعي من ايران عبر امينه العام اللبناني الوكيل السياسي لولي الفقيه في ايران علي خامنئي او من سيأتي بعده.. ويصبح تنفيذه امراً شرعياً دينياً ذا طبيعة الهية منسوبة الى وضع ولي الفقيه الذي هو بحسب النظرية الإيرانية نائب الإمام (المهدي المنتظر) المعصوم هو وقراراته (رب غفرانك).

 

انطلاقاً من هذه الحالة، فإن جمهور حزب الله ينفذ أوامره وفق عقيدتي المال الممنوح والتكليف الشرعي، بما يجعل هذا الجمهور مرتبطاً بوعيه أو بدونه بالقرار الفارسي الذي يحدد لهذه الدولة في لبنان، ولمسؤوليها في فرقة الحرس الثوري التي تقوده، بغض النظر إذا كان هذا القرار مناسباً للبنان وأهله (ومن ضمنهم جمهور حزب الله) أم لا.. فهذا الجمهور بوعيه أو بدونه مرتبط بإيران من خلال أهم أمرين حاسمين في مسألة العصبية التي تنشىء الدول وهما العقيدة والتمويل.

وانسجاماً مع هذه الطبيعة – العضوية لجمهور حزب الله في لبنان، فإن رؤيتها لمختلف المسائل السياسية – الدينية – الثقافية وتبعات ذلك عسكرياً وأمنياً هي رؤية قد تتناسب مع رؤية بقية الجماهير اللبنانية، وقد تختلف معها تماماً بما يجسد وجود الدولة الفارسية في لبنان حاملة في توجهاتها بذوراً ((شرعية)) (بمعنى الحق) بما يسمح لها أن تقرر في هذا البلد ما تريد بمعزل عن جماهيره، وبطبيعة الحال من مؤسسات الدولة التي أسسها اللبنانيون وأقاموا لها الصروح الدستورية والسياسية والعسكرية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والاعلامية والتربوية..

 

وفي مثال تفصيلي وصارخ الدلالة أيضاً، فإن ولاء هذا الجمهور في أي مواجهة مثلاً بين المؤسسة العسكرية للبنان ممثلة بالجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي وبين حزب الله (القوة المسلحة للدولة الفارسية في لبنان) هو لهذا الحزب وميليشياته التي شكلتها هذه الدولة إلى جانبه حتى لو أسمتها في مرحلة من المراحل المقاومة الإسلامية، حتى لو كانت مهمتها في مرحلة من المراحل مقاتلة إسرائيل لجعل إيران على حدود فلسطين.

 

في السياسة عملياً

فإن أمراً ما يجري بين قادة الحرس الثوري الإيراني وبين أحد أفرعهم في الخارج (لبنان عبر حزب الله) استدعت تسريب هذا الخبر، أو نفيه بما يؤكده في هذه المرحلة بالذات، خاصة مع تكاثر الكلام عن خلافات داخل هذه الفرقة (حزب الله) بين أمين عام الحزب حسن نصرالله وبين نائبه نعيم قاسم.

 

ومع ضآلة المعلومات المتسربة من داخل هذا الجسم الحديدي المسمى حزب الله، فإن أنباء سيطرة الأجهزة الأمنية على مؤسساته الشرعية والسياسية، حاسمة وتشير إلى ان لهذه الاجهزة رجالها والمدافعين عنها والمتبنين لوجهة نظرها داخل مؤسسات الحزب، بما يشير إلى ازدواجية على الاقل في اتخاذ القرار بحيث يمثل نصرالله جناحاً فيها ويمثل قاسم جناحاً آخر مدعوماً من هذه الاجهزة.

 

ومن يتابع تصريحات قاسم ونصرالله يجد تسابقاً بينهما في التصعيد السياسي والتهديد الأمني، بما يسمح بالقول أحياناً انه رسائل داخل الحزب، مزايدة أو استقطاباً، أو رسائل إلى قادة الحرس الثوري بمن يمثل مصالحه أفضل تمثيل.. أكثر من أن تكون رسائل داخل الوطن اللبناني نفسه.. بل ان هذا الداخل مقصود بالتهديد كتعبير عن قوة كل من هذين الجناحين وقدرته على تمثيل إيران تمثيلاً أقوى.

 

وفي هذا المضمار فإن هذا التصعيد هو تجسيد لمطلب وحالة إيرانية في نزاعها الإقليمي والدولي سواء تحت التهديد الأميركي – الصهيوني أو في مناخ الحوار الإيراني مع الولايات المتحدة وتمهيداً له بإظهار القدرة على امتلاك الأوراق المؤثرة وأهمها على الاطلاق ورقة الهيمنة على لبنان عبر فرقة الحرس الثوري فيه وهي حزب الله.

 

وفي الإطار السياسي العملي أيضاً، فإن لبنان كله دولة ومؤسسات وقوى حية من مختلف المناطق والطوائف والمذاهب، ومثقفين مدعوون إلى فهم جديد لطبيعة وجود حزب الله في لبنان مع هذا الجمهور الواسع الذي يحتضنه (بسبب عصبيتي التمويل والعقيدة).

 

لقد أصبح لدى لبنان كله مستمسك شرعي قانوني سياسي، صادر من إيران عن طبيعة اختراقها للوطن حتى بقوة لبنانية، وحتى بجمهور لبناني، يمكن مخاطبة العالم كله بشأنه، فهو اختراق إيراني رسمي لدولة ذات سيادة، عضو مؤسس في جامعة الدول العربية، عضو مؤسس في الأمم المتحدة، عضو مؤسس في المؤتمر الإسلامي، عضو مؤسس في الفرانكوفونية، وبقية المؤسسات الدولية وهو شريك إيران على الاقل في الأمم المتحدة والمؤتمر الإسلامي..

لا أحد يدعو إلى الشكوى ضد إيران، فلا فائدة من هذا الأمر، وطبعاً ليس بالإمكان مواجهتها، لكن حفظ الحق اللبناني في السيادة والاستقلال يستدعي أن يظهر لبنان حقه تحت عنوان اظهر حقك ولا تأخذه كمرحلة أولى إلى أن تستطيع أن تأخذه.

المصدر:
الشراع

خبر عاجل