حروب الإستقلال
علي حمادة (النهار)
هكذا وصل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الى ما انتهى اليه سلفه الرئيس جاك شيراك بالنسبة الى العلاقة مع الرئيس السوري بشار الاسد، واكتشف اخيرا ان الوعود التي تلقاها منه لم تكن اكثر من وسيلة لكسب الوقت نجح من خلالها النظام السوري في تحييد اكبر الدول الاوروبية الداعمة للاستقلال اللبناني. وبالطبع لا يمكن اغفال الاخطاء الكبيرة التي وقع فيها مسؤولون كبار مثل الوزير برنار كوشنير الذي ظن لوهلة انه قادر على ابتكار حل مع ما يسمى معارضة في لبنان، وبالتحديد مع رئيس مجلس النواب انطلاقا من ادراك مجتزأ للواقع، واستنادا الى عملية تضليل كبيرة تعرض لها من بعض اصدقائه في الوسط اللبناني المقرب الى نبيه بري! ولكن يبقى المهم ان الفرنسيين الذين ضللهم ايضا الحليف العربي الوحيد للنظام السوري، توصلوا الى الاستنتاجات نفسها التي سبق ان توصل اليها الرئيس شيراك بعد اختباره الاسد الابن في الكثير من المناسبات بين عام 2000 وعام 2004، ففهم في نهاية المطاف ان النظام الدمشقي الحالي لا يركن اليه في ما يخص الواقع اللبناني، لكونه يمثل عاملا تخريبيا بإمتياز للصيغة والنظام معا.
والآن بعدما الغيت الجلسة العاشرة لانتخاب الرئيس والتي عقد الرئيس الفرنسي عليها آماله الكبيرة، هل في المستطاع القول ان المجتمع الدولي سيحزم امره مرة اخيرة لمواجهة هذا العامل المثير للاضطرابات في كل اتجاه من العراق الى الاردن ففلسطين ولبنان، بالوسائل غير التقليدية، باعتبار ان الضغوط الديبلوماسية والعزلة اثمرت نسبيا، ولكنها لم تمنع النظام من لملمة نفسه بعد ضربة الخروج من لبنان التاريخية عام 2005، فظل معوقا لمسيرة الاستقلال اللبناني، وللمصالحة الوطنية في العراق، ومحرضا على الشقاق بين الفلسطينيين.
عندما خرج الرئيس الفرنسي مدفوعا بنصائح دول عربية هامشية بالمعنى السياسي والاستراتيجي عن سياق المواجهة مع دمشق نحو فك عزلة بشار الديبلوماسية، فتح القنوات على مصراعيها ظنا منه انه يمكن تحصيل تقدم ملموس في سلوكيات النظام السوري في لبنان عبر اغراقه ليس بجزرة واحدة وانما بحمولة شاحنة جزر بأكملها! ووصلنا الى النتيجة نفسها مع فارق جوهري تمثل في اضطراب الموقف الاستقلالي الذي استند الى دعم المجتمع الدولي وتماسكه خلف الاستقلال لاستكمال المسيرة في وجه الحرب الدموية التي يمارسها النظام في دمشق اما مباشرة واما عبر مأموريه في لبنان.
اليوم في مقدورنا الزعم أن الخيار الاساس السائد في الموقفين السوري والايراني، واستتباعا في الجهة المقابلة، هو الفراغ المديد في انتظار تبدل جديد في موازين القوى يمكن البناء عليه للاستيلاء على السلطة كاملة من رئاسة وحكومة ومجلس نواب. وقبل ادراك هذا الهدف لن يكون هناك رئيس ولا حكومة جديدة قادرة على الحكم. فطرح فكرة السلة السياسية واضح كل الوضوح، والمطالبة بالثلث المعطل في الحكومة مسبقا مع تكبير كتلة الرئيس الوزارية معناه البسيط ان حسن نصرالله سيكون اضافة الى كونه رئيسا فعليا لمجلس النواب، رئيسا لحكومة موازية داخل الحكومة الواحدة. وهذا امر خطر للغاية. ناهيك بالشروط المطروحة في السلة التي لا يقبلها العقل ولا المنطق، ولا الدستور بقراءته المنفتحة والمتساهلة الى الحدود القصوى!
ماذا عن القوى الاستقلالية؟
وكما قلنا مرارا وتكرارا فان حروب الاستقلال لا تخاض بالخوف والهلع. لذا وجب على تلك القوى ان تستعيد الوعي بقوتها، وان تدير معركتها في مستويين: الاول في اتجاه المجتمع الدولي لحمله على العودة بقوة الى ممارسة سياسة متصلبة مع دمشق، ودفعه نحو سياسات غير تقليدية رادعة. اما المستوى الآخر فيكون في لمّ شمل القوى الاستقلالية، والذهاب نحو ارسال مشروع قانون الى مجلس النواب بتعديل الدستور، وليأت الرفض من عند الرئيس بري. والى كل هذا ينبغي النظر بجدية وعقل بارد ومدقق الى موجبات استمرار المعركة السياسية ومتطلباتها، وربما الى مقومات الصمود والمقاومة اذا ما فرضت الاحداث ذلك! ان لبنان الاستقلال والديموقراطية والحرية والتعددية يستأهل منا جميعا المزيد من التضحيات، فحروب الاستقلال هي اطول الحروب واكثرها كلفة. ولبنان لا يشذ عن القاعدة.