المعارضة تصرّ على شروطها ما دامت سوريا تصرّ على الفراغ
لا انتخاب لرئيس جمهورية قبل الاتفاق على الحكومة!
لا انتخاب لرئيس جمهورية قبل الاتفاق على الحكومة!
اميل خوري (النهار)
قال سياسي مخضرم تقلب في مناصب وزارية عدة خلال عهود سابقة، وهو يشاهد ما يجري في البلاد من مسخ للدستور وتهديد للنظام وسمع كلام فاروق الشرع ووليد المعلم ان سوريا هي وراء كل ذلك عبر حلفائها في لبنان اذ انها قررت منذ اخراج قواتها من أراضيه الا تدعه يرتاح لا سياسيا ولا امنيا ولا اقتصاديا، فكانت التفجيرات ومسلسل الاغتيالات، وعندما اسفرت الانتخابات النيابية عن فوز قوى 14 آذار بأكثرية المقاعد النيابية، اعلن الرئيس الاسد في خطاب له ان هذه الاكثرية هي “وهمية وعابرة” ولن يدعها تحكم، فدعا الى تشكيل حكومة انتقالية تشرف على اجراء انتخابات نيابية مبكرة علّ نتائجها تأتي لمصلحة حلفائه في لبنان فيحول عندئذ الاكثرية لقوى 14 آذار اقلية. وعندما لم يتحقق ذلك، تركزت الحملة على حكومة الرئيس السنيورة لحملها على الاستقالة، فكانت الاضرابات والتظاهرات وكان انسحاب وزراء الشيعة منها، وكان الاعتصام في الخيم وفي الوسط التجاري المستمر حتى الآن وهو اعتصام اضر بمصالح الناس ولم يحقق اهدافه في اسقاط الحكومة عندما قررت سوريا عبر حلفائها الذين تشكلت منهم المعارضة انتظار حلول موعد الاستحقاق الرئاسي للعمل على تعطيل هذا الاستحقاق والحؤول دون انتخاب رئيس للجمهورية خلفا للرئيس اميل لحود وذلك بامتناع نواب المعارضة عن حضور الجلسات المخصصة للانتخاب، مشترطين للاعتراف بشرعية اي رئيس ينتخب، ان يتأمن لانتخابه نصاب الثلثين والا فانهم سيقيمون الدنيا ويقعدونها اذا ما انتخب رئيس بنصف زائد واحد.
وراح بعض المعارضة بتوجيه سوري، يعلن ان لا انتخابات رئاسية اذا لم يكن العماد ميشال عون هو الرئيس العتيد، وعندما تبين ان هذا غير مقبول، اخذت المعارضة تتدرج في شروطها، فتارة تقول انها مع اي رئيس للجمهورية يجمع عليه اللبنانيون او المسيحيون، وهي تعلم ان لا اجماع في اي دولة على شخص، وطورا تدعو الى الاتفاق على رئيس توافقي لا يكون من قوى 14 آذار ولا من قوى 8 آذار ثم تقول ببرنامج قبل الشخص، ثم ان الشخص هو البرنامج… وعندما توصلت المساعي الفرنسية الى اقناع البطريرك الكاردينال صفير بتسمية المرشحين الذين تنطبق عليهم المواصفات المطلوبة للرئاسة الاولى، لم يتم التوصل الى اتفاق على اي مرشح من هؤلاء المرشحين. وبما ان قوى 14 آذار يهمها اجراء الانتخابات الرئاسية باعتبارها ام الصبي، خلافا لموقف قوى 8 آذار والمتحالفين معها، كي لا يحصل الفراغ الرئاسي المدمر، فانها ارتأت صرف النظر عن انتخاب رئيس للجمهورية بنصف زائد واحد لئلا يقع الانقسام الحاد بين اللبنانيين فيؤدي ذلك الى التقسيم، وقد يكون هذا ما يريده اعداء لبنان في الداخل والخارج، ثم قررت التخلي عن مرشحيها بطرس حرب ونسيب لحود والقبول بترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان وهو الشخص التوافقي بامتياز الذي يشكل اختياره نقطة التقاء بين الموالاة والمعارضة. رغم ان لقوى 14 آذار موقف رافض بشدة تعديل الدستور لهذه الغاية. لكن سوريا التي لا تريد سوى الفراغ في منصب الرئاسة الاولى توصلا الى شل عمل كل المؤسسات في لبنان، اوعزت الى حلفائها في لبنان بان يوافقوا في الشكل على تأييد المرشح العماد سليمان ورفضه في المضمون وذلك بوضع شروط تعجيزية بحجة تسهيل مهمة الرئيس العتيد فلا تتفجر بعد انتخابه الخلافات القائمة بين الموالاة والمعارضة حول تشكيل اول حكومة وحول بيانها الوزاري، وحول قانون الانتخاب الجديد فضلا عن التعيينات لا سيما على رأس الاجهزة الامنية والعسكرية: اي انه مطلوب قبل مباشرة رئيس الجمهورية الاستشارات لتسمية رئيس الحكومة ومن ثم تسمية الوزراء، توزيع الحقائب الاساسية ووضع الخطوط العريضة للبيان الوزاري الاتفاق على كل ذلك وابقاء انتخاب الرئيس معلقا الى حين يتم التوصل الى هذا الاتفاق مهما طال الوقت… ثم اشترطت امعانا في التعجيز ان يمر اي اتفاق بالعماد ميشال عون…
وتساءل السياسي المخضرم هل يعقل ان يصبح انتخاب رئيس للجمهورية رهنا بالاتفاق على رئيس الحكومة وعلى الوزراء وعلى الحقائب الوزارية وعلى غيرها من المواضيع الخلافية وماذا لو اصبحت الاستشارات لتسمية رئيس الحكومة مؤجلة ايضا الى حين الاتفاق على كل هذه الامور بحجة تسهيل مهمته ايضا وتجنبا لحصول ازمة وزارية مستعصية، وكيف يحق للاحزاب والكتل طلب الاتفاق على توزيع الحصص والحقائب بما فيها حصة رئيس الجمهورية من الوزراء، وتسمية هؤلاء الوزراء ايضا، واين اصبح الدستور في كل هذا، واين اصبحت الصلاحيات المحددة فيه لرئيس الجمهورية ولرئيس الحكومة كي يعتدي عليها هؤلاء ويستخدموها عنهما، وهم الذين يدعون انهم يريدون رئيسا قويا يستخدم صلاحياته كاملة.
واضاف السياسي المخضرم بعيدا عن الفوضى الدستورية والهرطقات الدستورية، ان رئيس الجمهورية كان يتمتع قبل اتفاق الطائف بصلاحيات تعيين الوزراء وتسمية رئيس الحكومة والتصويت على المشاريع في مجلس الوزراء، الا ان هذه الصلاحيات التي جعلت منه ملكا على جمهورية كما يصفه الرئيس الحص، تقلصت في دستور الطائف وجعلت تسمية رئيس الحكومة خاضعة لاستشارات نيابية ملزمة يجريها رئيس الجمهورية، وعليه التقيد بنتائجها، لكن الدستور حفظ لرئيس الجمهورية حق توقيع مرسوم تشكيل الحكومة، بحيث ان رئيس الحكومة لا يستطيع تشكيلها الا بالاتفاق مع رئيس الجمهورية، وهذا الحق يجعله قادرا على ان يكون له رأي في اسماء الوزراء والحقائب، وان يكون له العدد الذي يريد من الوزراء سواء كان الثلث او اقل او اكثر من دون حاجة الى نص دستوري كما اقترح العماد ميشال عون، ما دام الرئيس يملك حق التوقيع او عدم التوقيع على مرسوم تشكيل الحكومة، وما دام رئيس الحكومة ليس مطلق اليد في عملية التشكيل.
ان بدعة الاتفاق مسبقا على كل المواضيع الخلافية بين الموالاة والمعارضة قبل انتخاب رئيس الجمهورية خلافا لاحكام الدستور، هو وضع لم يكن قائما حتى في زمن الوصاية السورية، قد ينسحب ربما على رئيس الحكومة فلا تجرى استشارات لتسميته الا بعد الاتفاق معه على اسماء الوزراء، وعلى توزيع الحقائب وعلى البيان الوزاري وعلى التعيينات، والا تظل هذه الاستشارات مؤجلة الى حين يتم التوصل الى هذا الاتفاق…
وذكر السياسي نفسه ان هذا حصل مرة مع الرئيس الشهيد رفيق الحريري وذلك في مستهل ولاية الرئيس لحود الممددة اذ طلب اليه قبل اجراء الاستشارات وتكليفه رسميا ان يجري مشاورات غير رسمية مع الاحزاب والكتل من اجل الاتفاق على تشكيل الحكومة، فلا يواجه بعد تكليفه رسميا عقبات يتعذر عليه تذليلها، وكانت الخطة من وراء ذلك ترمي الى ابعاده عن رئاسة الحكومة بوضع العراقيل في طريقه لحمله على الاعتذار قبل ان يكلف، لان المطلوب يومها من سوريا ان يؤلف الحكومة الرئيس عمر كرامي وهو ما حصل.
لذلك، ينبغي العودة الى الدستور والى الصلاحيات المنوطة برئيس الجمهورية وبرئيس الحكومة عندما يكلف عملية التشكيل، وان لا تمارس اي جهة هذه الصلاحيات عنهما. فواجب مجلس النواب هو انتخاب رئيس الجمهورية، وواجب رئيس الجمهورية اجراء استشارات لتسمية رئيس الحكومة، وواجب الرئيس المكلف اجراء مشاورات مع الاحزاب والكتل لتشكيل الحكومة، فاما ان يوفق في تشكيلها ويواجه مجلس النواب بطرح الثقة، واما الا يوفق سواء بسبب الخلاف على الحصص وعلى الحقائب او على مضمون البيان الوزاري او بامتناع بعض الكتل والاحزاب الاساسية عن المشاركة فيها، فيعتذر عن عدم التمكن من تشكيلها، فتجرى عندئذ استشارات جديدة لتكليف سواه.
هذه هي الآلية الدستورية التي يجب اعتمادها واحترامها وكل خروج عليها، باعتماد اعراف وهرطقات او سوابق، من شأنها ان تدخل البلاد شريعة الغاب وتجعل كل استحقاق رئاسي يدور في حلقة الانتخابات قبل الحكومة ام الحكومة قبل الانتخابات؟…