خدمتان قدّمتهما تصريحات المعلّم: دفعُ عون إلى الدفاع عن علاقته بدمشق وكشف مشروع حكم لبنان من سوريا
“الثلث المعطّل” يضربُ الصيغة ويُنهي “المركز” اللبناني
نصير الأسعد
نصير الأسعد
لم يكن أحد، لا في لبنان ولا خارجه، بحاجة إلى تصريحات وليد المعلّم لـ”يكتشف” انّ النظام السوري هو المعطّل للإستحقاق الرئاسي اللبناني وانّه “المايسترو” الذي يقود “أوركسترا المعارضة”.
الجنرال يدافع عن إلتحاقه بسوريا وأحلافها
بيد أنّ المعلّم مع ذلك أسدى إلى الأكثرية خدمتين سياسيتين مباشرتين.
ففي وقتٍ لم يرَ معظم “المعارضة” سبباً لـ”تبرير” نفسه حيال إعلان المعلّم نفسه ناطقاً باسم “المعارضة” وشروطها بل محرّكاً لها ولشروطها، وجد الجنرال ميشال عون نفسه مُحرجاً. لكنّ الجنرال كعادته يهربُ إلى الأمام بل يقدم على قطع “شلش الحياء”. قال إنّ “من الطبيعي أن يكون الطرحُ السوري قريباً من طرح المعارضة”. ومع انّ شيئاً ليس “طبيعياً” لو كانت “المعارضة” وطنية لبنانية، فانّ الجنرال فسّر ذلك بالقول “لأنّنا أقرب إلى سياسات الدول الشرق أوسطية من الموالاة التي تعبر الأطلسي” (!).
لم يكلّف الجنرال، الغارق حتّى “النخاع الشوكي” في علاقة تبعيّة مع النظام في دمشق نفسه عناء توضيح من هي تلك الدول الشرق أوسطية غير سوريا التي يتفاهم معها. وعلى أي حال، كيف له أن يفعل فيما يواجه مع حلفائه النظام العربي ودوله كافّة.. الا إذا كان يقصدُ بالدول الشرق أوسطية سوريا “المرشدة” سياسياً وإسرائيل حاملة لواء حماية “النظام المرشد” وإيران بلد “المرشد الأعلى” لأحد أبرز حلفائه.. وقطر “التمويل السخيّ”.
..يواجه الكنيسة والجيش ويوالي الأسد
الخدمةُ الأولى إذاً التي أسداها المعلّم هي دفعُه الجنرال إلى الدفاع عن الإلتحاق بالنظام السوري، بعد خدمةٍ سبق المعلّم اليها فاروق الشرع الذي سمّى العماد ميشال عون على رأس لائحة “أصدقاء سوريا”. وهكذا، يقفُ من يدّعي تمثيل المسيحيين لا بل حصرية تمثيلهم، ليعتبر القرب من النظام السوري “طبيعياً” فيما يواصل اللبنانيون والمسيحيون في مقدّمهم معركة تثبيت إستقلال لبنان عن سوريا. ويقفُ من يدّعي المطالبة بـ”حقوق” المسيحيين مدافعاً عن التقارب مع نظام الأسد فيما مصدرُ الخطر على حقوق المسيحيين هو هذا النظام بالذات الذي يلغي الموقع المسيحي الأول في الدولة والنظام اللبنانيين. ولا يمانعُ الجنرال الذي أدخل نفسه منذ مدّة في مواجهة مكشوفة مع الكنيسة ومبادئها وثوابتها ومع المؤسسة العسكرية وقيادتها، في أن يؤكّد إلتحاقه بالأسد والشرع والمعلّم.
“الثلث المعطّل”: تعطيل المركز اللبناني
على انّ هذه الخدمة الأولى “بسيطة” أي انّها ليست كثيرة الأهمية. فالخدمة الثانية المتّصلة باشتراط المعلّم ما سمّاه “الثلث الضامن” لحلفائه في الحكومة المقبلة، هي الأهم.
ثمّة قراءةٌ “سياسية” لهذا الشرط السوري. فعندما يطالب النظام السوري بـ”الثلث المعطّل” لحلفائه في الحكم، فمعنى ذلك انّه يتطلّع إلى العودة إلى القرار اللبناني عبر حلفائه، لا بل يتطلّع إلى الإمساك بالقرار اللبناني.
غير انّ القراءة “البنيوية” لهذا الشرط تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير. فلا معنى لـ”الثلث المعطّل” إلا إبقاء “المركز اللبناني” خارج لبنان ومنع تشكّل هذا المركز إلى “أبد الآبدين”. فالنظام السوري الذي مارس الوصاية على لبنان أثناء وجوده فيه “مكلَّفاً” في حينه بـ”تطبيق” اتفاق الطائف، حافظ على “شكليّات” وجود “المركز” في لبنان في حين كان فعلياً ينزح به إلى عنجر ودمشق. وهو اليوم بعد خروجه ـ الرسمي ـ من لبنان يتطلّع إلى تثبيت مركز لبنان في دمشق أي حُكم لبنان من سوريا.
“الثلث المعطّل” مطروحٌ من أجل “المعارضة” في الظاهر لكنّه مطروح للتحكّم السوري بلبنان في الحقيقة. و”القاعدة” تقول انّه كلّما كان البلد مكشوفاً على الخارج كلّما نزح مركزُه عنه. فكيف وهذا “الخارج” هو النظام السوري الذي لا يعترف بكيان لبنان ودولته ونظامه الديموقراطي؟.
..ومحاولة تكريسه للإنقضاض على الطائف
على انّ في القراءة “البنيوية” جانباً آخر مهمّاً.
في الوضع السياسي اللبناني الحالي، يمكن لـ”الإلتباس” أن يمرّ. فـ”المعارضة” عندما تطالب أو يطالب النظام السوري لها بـ”الثلث المعطّل”، تقدّم نفسها على أنّها “معارضة متعدّدة” أي انّ فيها مسلمين ومسيحيين أي انّ “الثلث المعطّل” المطلوب هو لمسلمين ومسيحيين معارضين.
يمكن قول الكثير في التشكّل الحالي “المنافي للطبيعة” لهذه “المعارضة”. لكن ماذا لو حصل أن اقتصرت المعارضة على فئة طائفية معيّنة؟ هل تُعطى جهة تمثيل طائفي معيّن “الثلث المعطّل”؟ كيف؟ وهل يكون ذلك بالسماح لهذه الجهة بـ”إستلحاق” فئات لا تمثّل شيئاً سياسياً لـ”إستكمال” ذلك الثلث؟ وهل يجب أن تكون المعارضة في الحكومة أصلاً؟.
في الجواب عن هذه الأسئلة وغيرها، لا مفرّ من القول إنّ السعي الآن إلى تكريس “الثلث المعطّل” المسمّى “ضامناً”، إنما هو محاولةٌ للتأسيس لـ”صيغة” جديدة تقوم على “نظرية الأثلاث المعطّلة” أو “المثالثة” ولهذه الصيغة مقدّمات في الخطاب السياسي ـ الثقافي لفرقاء في “المعارضة”.
إذاً، أسدى وليد المعلّم إلى الأكثرية خدمةً كبيرة إذ كشف انّ للنظام السوري “مشروعاً” لإستبقاء لبنان محكوماً من سوريا، وانّ له صيغة لتمكنه من هذا التحكّم.
14 آذار: حكومة مصالحة وطنية
من هنا، فانّ ما تواجهه أكثرية 14 آذار هو أبعد من الإستحقاق الرئاسي بـ”مناسبة” الإستحقاق الرئاسي.
فمن غير الوارد على الاطلاق أن توافق 14 آذار على وجود “ثلث معطّل” في أي حكومة. ذلك أن لا وجود لهذا “الثلث” في اتفاق الطائف. ولا يمكن أن يكون وارداً بالنسبة إلى حركة إستقلالية تناضل لطرد الوصاية من الباب أن تعيد إدخالها من النافذة. ولا يمكن أن يكون وارداً لديها تزوير معنى الشراكة الوطنية من شراكة متساوية إلى “فيتوات” تعطّل الدولة “المركزية”.
في خضمّ التطوّرات الأخيرة أبدى أركانٌ في 14 اذار إستعدادهم للموافقة على قيام ما يسمّى “حكومة وحدة وطنية” بعد إنتخاب رئيس الجمهورية. لكنّهم لم يدخلوا في أي بحث حول تشكيلتها.
وفي هذا المجال لا بد من توضيح. فالأصحّ القول إنّ 14 آذار بعد أكثر من عام من تفجّر الأزمة السياسية، تعتقدُ انّه من “المنطقي” قيام “حكومة مصالحة وطنية”. الأفضل أن يتمّ الاتفاق على أجندتها السياسية ـ الوطنية مسبقاً كي تتشكّل، لا بل انّ الاتفاق المسبق على أجندتها هو الطريق الأسلم إلى قيامها وإلا فهي لا تقوم. فإذا حصل الاتفاق لا مبرّر لـ”ثلث معطّل”. وإن لم يحصل تتشكّل حكومة تحكم وتقوم “المعارضة” بمعارضتها.. وكل ذلك في إطار الدستور والقوانين.
لا “ثلث معطّل” أبداً
إذاً، في إمتداد التسوية التي تطرحها حول رئاسة الجمهورية، توافق 14 آذار على “حكومة مصالحة وطنية” تلي الرئاسة. لكن لا مكان لـ”ثلث معطّل” فيها. ولعلّ 14 آذار في مواقف بعض أركانها، وعلى أساس أن تسهّل قيام هكذا حكومة بعد رئاسة الجمهورية، وافقت على تشكيلة لا يكون فيها الثلثان معها ولا الثلث مع “المعارضة”، وقالت بـ”الصوت الوازن” للرئيس العتيد، كما وصفه زعيم “تيار المستقبل” سعد الحريري، لكنّ ذلك هو من أجل “التدبّر السياسي” بما يجعل رئيس الجمهورية حكَماً داخل مجلس الوزراء.
“حكومة المصالحة الوطنية” بعد إنتخاب رئيس الجمهورية، اقتراحٌ بل عرضٌ قائمٌ. لا “ثلث معطّل” فيها ولا “يحلمنّ” أحدٌ به. هكذا بموجب ميثاق الطائف وبموجب الدستور، وإستناداً إلى قراءتَين سياسية وبنيوية، فإن شاءت “المعارضة” كان به وإن لم تشأ.. كان به أيضاً. فالانقلاب على الصيغة لن ينجح.