أصول الديماغوجية
مصطفى علوش
مصطفى علوش
“الديماغوجي هو القائد الذي يبشّر بمبادئ، يعلم هو أنها باطلة لجموع يعلم أنها مغفلة”
هنري منكين
هنري منكين
“أريك لودندورف”، كان من أبطال الحرب العالمية الأولى في ألمانيا، وكان من المتحمّسين للحزب النازي في أولى بداياته، ولكنه وبعد أن تعرّف على هتلر عن قُرب، وحين علم بأن الرئيس الألماني “هندنبرغ” قد عيّن زعيم الحزب النازي مستشاراً لألمانيا قال للرئيس الألماني، رفيق سلاحه السابق ما يلي:
“لقد سلمت أرض ألمانيا المقدسة إلى واحد من أكبر الديماغوجيين في التاريخ. إني أرى ألمانيا تسقط في قعر سحيق على يد هذا الشرير. إن الأجيال القادمة سوف تلعنك في قبرك لهذا القرار”.
الديماغوجية هي كلمة يونانية مركّبة من “ديموس” أي الشعب و”غوجيه” أي العمل، وهي اختصار لمصطلح سياسي وهو “العمل لمصلحة الشعب”. وهي اليوم تستعمل للدلالة على مجموعة من الأساليب والخطابات والمناورات التي يلجأ إليها السياسيون لإغراء الشعب بوعود خادعة للوصول إلى الحكم، يقوم الزعيم الديماغوجي عادة بتملق الطموحات والعواطف الشعبية بهدف الحصول على التأييد من الرأي العام مستنداً إلى مصداقيته. وغالباً ما يستعمل الديماغوجي الوعود البرّاقة وتشويه الحقائق مؤيّداً كلامه بشتى فنون المنطق والأحداث المجتزأة والبراهين العامة من دون إثارة تفاصيل قد تنبه السامع. ويستعمل عادة كلاماً مبسّطاً مستنبطاً من الموروث الشعبي، في إطار خطابات حماسية حبلى بالشعارات الشعبوية. ومع أن الكذب هو من الوسائل المعتمدة في كثير من الأحيان، ولكن الديماغوجي الخبير، والمدرّب قادر على تجنّب الوقوع في الكذب المفضوح، فيركز على مواضيع صحيحة في الظاهر، بحيث يبهر السامعين، ومعظمهم من الجاهلين بالمواضيع المطروحة، فيستنتجون عادة ما يقصده القائد. ويتحول هذا الاستنتاج مع الوقت إلى شكل من الايمان بغض النظر عن صحته.
وقد يلجأ “القائد” في كثير من الأحيان إلى نوبات من “الغضب المقدس” للزيادة في إبهار الجمهور، والتملص من المواقف والأسئلة المحرجة.
وسائل الديماغوجية
تنقسم الوسائل التي تستعمل في الديماغوجية إلى قسمين:
1 ـ قسم في حدود المنطق ويشمل:
ـ مقارنة الكميات من دون البحث في النوعية، كمقارنة التفاح بالبرتقال لمجرد أنها تُباع بالكيلو. أو بمقارنة واقع “المقاومة” بغض النظر عن الظروف التي نشأت فيها.
ـ استعمال أنصاف الحقائق من خلال وضع عناوين شديدة المصداقية لدى العامة، وإغفال التفاصيل الذي لا يتابعها عادة إلا المهتمون وهم قلّة. كوضع مشروع عقائدي ومذهبي تحت شعار عام اسمه “المقاومة”. أو طرح عنوان “التهميش” لمشروع التقوقع المذهبي.
ـ استعمال مراجع كاذبة كقول “استشرنا أستاذاً جامعياً في قضية قانونية” من دون ذكر اختصاص هذا الأستاذ الذي قد يكون مرجعاً في الكيمياء، أو عضواً عاملاً في حزب الزعيم.
2 ـ قسم يتجاوز المنطق ويشمل:
ـ حصر الخيارات في إثنين متضادين، كالقول إما وطني أو عميل، إما مع سوريا أو مع إسرائيل، إما مع مشروع الممانعة أو مع الفوضى البنّاءة، إما معنا أو ضدنا، مع إغفال كل الخيارات المنطقية الأخرى خارج التصنيف الذي وضعه الزعيم.
ـ تصوير الطرف الآخر بأنه العدو المطلق ووضع كل الصفات الشيطانية فيه ونسبة كل المشاكل إليه، كالقول إن كل مشاكل العرب هي من الصهيونية.
ـ تشويه صورة الخصم الشخصية والعامة واتهامه بنفس الوقت بتشويه الصور. “كالاتهام بتعطيل انتخاب رئيس الجمهورية في حين يتم منع إكمال النصاب”.
ـ طرح الأسئلة الملغومة لوضع الخصم في موقع الدفاع عن تهمة فرضية كالقول “يقولون بأنهم أعداء لإسرائيل، فإذا كانوا كذلك فهل يكون غريب أن نتهم إسرائيل بجرائم الاغتيال”.
ـ فورات عاطفية خارج السياق: “كلهم يتآمرون عليّ” أو “كلهم كذابون”…
خاتمة:
ما على القارئ إلا أن يقارن ليعلم على مَن تنطبق هذه التوصيفات في لبنان؟!
ما على القارئ إلا أن يقارن ليعلم على مَن تنطبق هذه التوصيفات في لبنان؟!
* نائب لبناني وعضو كتلة “المستقبل