ماذا في قرار مجلس الأمن الدولي الرقم (…) بعد القرار 1559؟!

ماذا في قرار مجلس الأمن الدولي الرقم (…) بعد القرار 1559؟!
محمد مشموشي

 

يصحّ في الوضع اللبناني الراهن القول المأثور “ما أشبه الليلة بالبارحة”.
والبارحة، بهذا المعنى، هي المرحلة التي شهدها لبنان في آب /أيلول من العام 2004، وأدت في ما أدت إلى صدور القرار الدولي 1559 من جهة، والتمديد القسري لبنانياً، والمتنكر للعرب وللعالم دولياً، لولاية الرئيس اميل لحود من جهة ثانية.
كان اللبنانيون يومها منقسمين حول التمديد، وإن لم تكن قسمتهم على حد السكين كما هي الآن، في الوقت الذي كان فيه العالم موحداً ضده بدليل صدور القرار المذكور من دون استخدام أيّ من الدول الكبرى حق النقض في وجهه. وفي المرحلة الحالية، تبدو المواقف كلها، السورية واللبنانية والدولية والعربية، هي هي من دون أي تغيير يذكر.. الا في لبنان الذي خلا من الوجود السوري المباشر وكبرت فيه مساحة الرفض للإملاءات، وفي العالم الخارجي وبين العرب، حيث باتت النظرة إلى ما يجري حالياً باعتباره أبعد من انتخاب رئيس (أو التمديد.. للفراغ هذه المرة، وقسراً كذلك) ليطال الكيان اللبناني ويهدده حتى في مجرد وجوده.


في تقييم لاحق للمرحلة الماضية، قيل ان دمشق لم تكن تتوقع أن تقف فرنسا ـ فضلا عن روسيا والصين ـ إلى جانب الولايات المتحدة التي رعت إصدار القرار، على خلفية التباين بين هذه الدول عشية وبعد الغزو الأميركي للعراق من جهة، وبسبب “رسائل الود” التي كانت واشنطن تبعث بها إلى دمشق للمساعدة على منع تسلل المسلحين عبر حدودها مع العراق من جهة ثانية. وقيل أكثر من ذلك، إن السياسة السورية بنت موقفها على أنها ستكون قادرة في النهاية على وضع الجميع أمام “أمر واقع” لن يستطيع أحد تغييره. والوصف الذي أطلقه وزير الخارجية السوري فاروق الشرع يومها على القرار، “تافه.. ولا دخل لسوريا به”، لا تزال تتردّد في آذان اللبنانيين وغير اللبنانيين حتى الآن.


وعملياً فلم تفعل دمشق بعد التمديد، ولا فعل حلفاؤها، الا ما ظنت أنه سيؤدي إلى تكريس “الأمر الواقع” المشار إليه: حكومة لبنانية منع الرئيس الشهيد رفيق الحريري من تشكيلها ليردّد في بيان اعتذاره عبارته المشهورة “ليحفظ الله هذا البلد”، تفجيرات أمنية واغتيالات ومحاولات اغتيال بلغ عددها العشرين مما يعرف اللبنانيون وغير اللبنانيين عدد ضحاياها، واصطفافات سياسية شطرت البلد في آخر تجلياتها إلى شطرين لا يلتقيان، 8 آذار من جهة و14 آذار من جهة أخرى، بدليل ما شهده لبنان منذ ذلك التاريخ وحتى الآن.


لكن ماذا عن الوضع الآن، بعد نجاح سوريا (هل هو نجاح؟!) في تكريس ذلك “الأمر الواقع” في لبنان وإدامته حتى الدقيقة الأخيرة من فترة التمديد، وماذا عن النجاحات المنتظرة الأخرى ـ وفقاً لكلام الشرع في تصريحه الأخير ـ سواء على صعيد لبنان، أو على صعيد المنطقة العربية كلها؟!.


في القرار 1559، مما لا علاقة له بانسحاب القوات الأجنبية وبسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها ونزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، ورد ما يأتي في البند الخامس:
“يعلن (المجلس) دعمه لاجراء عملية انتخابية حرة وعادلة في الانتخابات الرئاسية اللبنانية المقبلة وفقاً للقواعد الدستورية اللبنانية من دون تدخل أو تأثير خارجي”.


وبعده مباشرة في البند السادس: “يدعو كافة الأطراف المعنية للتعاون بشكل كامل وعاجل مع مجلس الأمن من أجل التنفيذ الكامل لهذا القرار وكافة القرارات ذات الصلة والمتعلقة باستعادة وحدة أراضي لبنان وسيادته الكاملة واستقلاله السياسي”.


هل يعني هذا النص شيئاً محدداً، في ضوء اعلان الرئيس الأميركي جورج بوش “نفاد صبره من الرئيس بشار الأسد منذ وقت طويل”، وقول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي انه “يزور دمشق فقط اذا سهل الأسد الانتخابات الرئاسية في لبنان وأوقف تدخله في شؤونه وسعيه لاحباط المحكمة ذات الطابع الدولي الخ..”، ووقوف البلدان العربية كلها إلى جانب انتشال لبنان من مأزقه الراهن وإعادته إلى حياته الطبيعية؟!.


أغلب الظن أنه يعني، وقد يعني الكثير، اذا ما نظر إليه من زاوية ما يقوله حلفاء سوريا في لبنان من أن القرار 1559 قد نفذ وأن ما تبقى منه (نزع سلاح الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية) ليس مطروحا تنفيذه الآن حتى لدى 14 آذار ـ ومطلوب في كل حال التبرؤ منه، وفق بيانات قادة “حزب الله” ـ اذا ما بقي الحال في رئاسة الجمهورية على ما هو عليه.
وأياً كانت الخطوة المقبلة ومن قبل مجلس الأمن اياه الذي يتلقى ـ بموجب القرار 1559 ذاته ـ تقارير دورية حول العراقيل التي تحول دون تنفيذه، فلا حاجة للقول ان الدول التي تبنت القرار لدى صدوره لن تكون بعيدة عن هذه الخطوة أو أقله لن تحول دون اتخاذها.


أكثر من ذلك، فإذا كانت “الظروف الإقليمية والدولية” أملت انتخاب لحود العام 1998 ثم التمديد له العام 2004 ـ وفقا لتبرير سوريا في الحالتين ـ، وكانت “الظروف الاقليمية والدولية” اياها أملت إصدار القرار 1559 ـ وفقاً لحلفاء دمشق في لبنان ـ، وكانت السياسة السورية قد نجحت أخيراً في استعادة دورها الاقليمي والدولي في لبنان وفي غيره ـ وفقاً لكلام الشرع ـ، فلن يكون مستبعداً أن تتحول قضية لبنان في الأيام المقبلة إلى “عصى” أميركية ـ أوروبية ـ دولية، وربما عربية أيضا، بعد ان عملت سوريا على قضم “الجزرة” التي وعدت فرنسا بتقديمها اليها، بالنيابة عن الجميع، لعل وعسى يتم فك أسار لبنان…


ولكن أية خطوة هي تلك الخطوة؟!.
من السابق لأوانه التحديد أكثر من ذلك، لكن ما شهده تسريع انشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري في الأيام القليلة الماضية (تمويلاً على هامش مؤتمر باريس لدعم السلطة الفلسطينية، وتوقيعاً لاتفاقية المقر مع هولندا، وتشكيلاً للهيئة القضائية من قبل الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون) يكفي للاشارة إلى طبيعة وجدية تلك الخطوة.


يمكن للمراقب أن يتوقع، منذ الآن، صدور القرار الرقم (…) عن مجلس الأمن الدولي في ما يتعلق بانتخابات رئاسة الجمهورية اللبنانية، والقوى الاقليمية واللبنانية الحليفة لها التي تحول دون اجرائها بما يتوافق مع الأصول الدستورية والقانونية التي تفرضها عملية الانتخاب هذه.


وإذا كان منتظراً أن يتضمن القرار اجراءات رادعة، وحتى عقوبات سياسية واقتصادية وتجارية ومالية، فأخشى ما يخشاه اللبنانيون أن يعيشوا فترة أخرى تحت هاجس الحديث عن “الأعباء والتبعات” التي يحملها هذا القرار تتمة لما عاشوه للآن وهم ينصتون طيلة ما ينوف على ثلاثة أعوام إلى أحاديث البعض عن الاستعدادات العملانية لالغاء القرار 1559 أو لاحباط مفعوله على الأرض.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل