#dfp #adsense

والطبيعة الدستورية كذلك تكره الفراغ !

حجم الخط

والطبيعة الدستورية كذلك تكره الفراغ !

غسان تويني

     

هل يتذكّر فقهاؤنا الدستوريون – الزعماء بينهم وغير الزعماء – هذه القاعدة العلمية الأساس في دنيا الطبيعة: “ان الطبيعة تكره الفراغ؟”.


وبالتالي أن شيئاً ما تنشئه هذه الطبيعة، من ذاتها أو من محيطها، لتملأ به الفراغ غير الطبيعي، وغالباً ما يكون ذلك “أمراً واقعاً” يصير بعد ملء الفراغ “الواقع الطبيعي” الجديد، مستحدثاً كان أم تلقائياً.
ويكون ذلك، حكماً، أمراً ثورياً يبدأ غير مستقر، الا انه يصير مع الزمن استقراراً جديداً…

• • •

ومن مراجعة تاريخ “الفراغ الدستوري” في أنظمة وقعت فيه، سواء كان ذلك نتيجة عوامل خارجية فرضت نفسها على الفراغ لأنها منه أقدر… أم نتيجة منطق واقعي ذاتي عضوي أو ديالكتيكي… من هذه المراجعة التاريخية التي ندعو الزعماء، أياً يكن الذين يتزعمون وأياً تكن “مراجعهم” العلمية، والحقوقية، وصولاً الى المحض سياسية، بل العسكرية… أو مراجع قرارهم والتقرير…


– من هذه المراجعة، نتبيّن ان ثمة نماذج ثلاثة لملء الفراغ، هي:
النموذج الخارجي: تدخل فريق يكره الفراغ أو يسوؤه أو له مصلحة في عدم انتظار امتلائه ذاتياً أو من قوة منافسة… فيحرّك هذا الفريق عدّته السياسية أو العسكرية ويقفز الى “أرض الدستور” الفارغة غالباً بغير حق – ويوجّه الحكم المريض بالسيطرة عليه او تسييره الى حيث هو يريد، مستعيناً حيث يتيسّر له الأمر، بفريق أو أفرقاء داخليين تلتقي مصلحتهم مع المصلحة الخارجية هذه.


النموذج الانقلابي أو الثوري: تحرّكه قوة داخلية يسوؤها الفراغ أو هي صارت تكرهه أو تكره استمراره، فتتسلّط على سائر الأفرقاء وتعلن تحوّلها سلطة جديدة تبتكر لنفسها شرعية مقْنعة ولو الى حد محدود وقادرة على ان تفرض القبول بها أو التسليم…


النموذج الحزبي: تحرّك القوة الداخلية الأقدر، فتفرض على سائر القوى التي أدى صراعها معها الى حصول “الفراغ الدستوري” وتملأ فراغ السلطة ذاتياً من غير ان تلغي حكماً الأفرقاء الأضعف، بل تفسح المجال لاستمرار وجودهم على ان يتكيّف هذا الوجود مع الأمر الواقع الجديد. وليس من المستحيل ان يتطور الأمر الواقع الجديد اذذاك “ديمقراطياً” بنشوء توازنات قوى تعيد الحكم الى لعبة التناوب على السلطة في مدى يقصر أو يطول تبعاً للواقع الدستوري المستحدث آنذاك.

• • •

في ضوء هذه النماذج الثلاثة ومتفرعاتها الممكنة أو المتغيّرات الناشئة عنها، ماذا يمكن ان ينتظر لبنان، ماذا يمكن ان يحصل؟
في المطلق، المصير الأسوأ هو تلاشي الدولة في فراغها الدستوري… المكروه!
ولأن “الطبيعة تكره الفراغ”، فالأرجح أن:


يقوم تدخل خارجي، أقليمي أو دولي، مستشرعاً بالمواثيق القائمة أو غير قابل لمشروعية ميثاقية ما…
و”بالعربي الفصيح” تتدخل سوريا، أو إيران، أو اسرائيل، أو الثلاث معاً بتوافق موضوعي قد تنشأ عنه حرب أو صراعات دونها، لكنها قابلة لأن تصبح حرباً اذا لم تتدخل جامعة الدول العربية التي هي المؤسسة الاقليمية المشروعة الوحيدة.
وفي مرتبة أرفع، اذا عجزت جامعة الدول العربية، أو نشأت “حال عنفية” تهدد الأمن الاقليمي أو الدولي، تتحرك الأمم المتحدة تلقائياً بموجب شرعتها، أو يقوم من يدعوها الى التحرّك (إما لبنانياً وإما عربياً وإما اقليمياً) فيصير لبنان في حال لها وصف قانوني قائم اسمه “الدولة العاجزة” – او “الفانية” – تخضع اذذاك لشكل من أشكال الوصاية التي تدوم الى ان تزول حال “الفراغ الدستوري” ويقوم مقامها نظام دستوري جديد قابل للدوام.


2   يصاب قائد الجيش بسأم بدأت نذره تلوح في أكثر من أفق، فيختار ألا يترك السأم يأكل لبنان شعباً ونظاماً واستقلالاً، ويعتبر ان الإجماع القائم عليه كمرشح “توافقي” فيه قدر كاف من التفويض يجعله مخوّلاً أن يعلن أن “الأمر صار  الآن له” فيعلن نفسه رئيساً باسم التفويض الشعبي الضمني الذي يتمتع به ويولي نفسه الأحكام الدستورية، ثم يؤدي القسم الدستوري امام مجلس النواب، وباللباس المدني، ويدعو كل الأفرقاء الى الحوار معه والتشاور واياه على طريقة السير في حكم “توافقي” على قدر ما يمكن التوفيق بين الشروط والمطالب المطروحة من الاكثرية والمعارضة (أو المعارضات على حد سواء)، انما بتحصين النظام التوافقي هذا بالطبيعة “الثورية” ضد التدخل الخارجي، اقليمياً كان أم دولياً.


وينجح الحكم الجديد أو يفشل تبعاً لقيام تآلف شعبي مع نهجه الثوري الذي قد يكون موقتاً ويتجه تدريجاً صوب نظام ديمقراطي فيه عناصر الصحة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وقادر على استجماع اعتراف بشرعيته من الدول الاقليمية المعنية ومن المنظمات الدولية. وبديهي ان هذا الاعتراف بالشرعية مشروط بما تنصّ عليه القوانين الدولية المعمول بها من قدرة على فرض النظام الداخلي وتأمين حال مقبولة من السلام الاقليمي والدولي.


3   دون النموذج الثوري، ثمة نموذج انقلابي برلماني ممكن نظرياً: تغلّب اكثرية برلمانية مستحدثة على حال الدوران في حلقة الفراغ، فتنتخب المرشح التوافقي الحالي او أي مرشح توافقي محتمل سواه، بالاكثرية الاقتراعية الممكنة وتملأ “الفراغ الدستوري” بأمر واقع برلماني جديد ينطلق منه الرئيس العتيد، بعد موافقته على الأمر، في عملية اقامة حكم ديمقراطي شرط نجاحه أن تتآلف حوله حركة شعبية توّاقة الى الخروج من “الفراغ الدستوري”، بل من “العصفورية الدستورية” اياها!!!


والشرط الأساسي لنجاح هذه المحاولة هو الاعتراف بشرعية جديدة كالتي كان يجب توافرها للنموذج الثوري أي فرض النظام العام واقامة حال أمن وسلام دوليين.

• • •

هل القصد من هذا البحث النظري رسم خريطة أو خرائط طريق للخروج من مأزق الفراغ وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بقايا النظام اللبناني، والديمقراطية والحريات وصولاً الى معاودة الرسالة اللبنانية باستقلال عن الانقضاض الخارجي المتربّص بنا؟
ربما… ولِمَ لا؟ … انما من غير ان يتجاوز بحثنا هذا حدّ طرح الحوار، وألا تكون لنا فيه  دعوة الى اعتماد أي من النماذج كمسلك نحرّض عليه أو لنا فيه تفضيل .


والبديل من ذلك ليس مجرد استمرار “الفراغ الدستوري”، في حاله الرتيبة المملة، بل الانتقال منه الى وضع “فوضوي” بل “عصفوري” انتحاري تجتمع فيه كل اخطار الخارج التي رسمنا، زائد البؤس الاقتصادي والنزاعات الطائفية المطلّة…
ثم الهجرة من وطن يصير مجرّد أرض سائبة للفراغ الذي يسكنه اذذاك أبداً، الى ان تزول الارض وما عليها من بقايا العمران والحيوان والمزروعات… كما في بعض تنبؤات العهد القديم (التوراة) عن البلاد التي يغضب عليها الرب الإله ويلعنها.

المصدر:
النهار

خبر عاجل