#adsense

لبنان وتمددات الفراغ

حجم الخط

لبنان وتمددات الفراغ
رضوان السيد

 

اجتمعت على اللبنانيين مصيبتان: مُصيبة الانقسام الداخلي العميق، ومُصيبة العداء المطلق من جانب النظام السوري للدولة اللبنانية ومؤسساتها. وهذان أمران ما كانا متوافرين في نزاعات السبعينات والثمانينات، أو أنهما ما كانا موجودين بالقدر نفسه من العُمق والاتساع. فالنظام السوري في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي كان يريد الاستيلاء على لبنان، ولذلك كان يختصّ بالخصومة أو العواء أولئك الذين يرفضون استيلاءه، والذين يعتبر أنهم لا يقبلون وصايته عليهم. أما في العامين الأخيرين، وبخاصة في الأشهر الأخيرة، فإن النظام السوري يعتبر نفسه مهدداً في وجوده لعوامل إقليمية، وأخرى تتعلق بلبنان مثل موضوع المحكمة الدولية، وتحالُف فرقاء لبنانيين مع الخارج العربي والدولي ضده. ولذلك – إضافة الى الاغتيالات وتسريب السلاح والمسلحين والاضطراب الأمني – عاد للجهر بالتدخل في الحياة السياسية وطريقة تشكيل الحكومة، ومن يتولى المناصب العسكرية والأمنية.

 

أما الانقسام الداخلي الأعمق فيتمثل في الانفصام شبه الكامل على المستوى الشعبي، والمستوى السياسي بين الشيعة والسُنّة. وهو أمر لم يحصل من قبل في أي نزاع داخلي أو مع الخرج، وقبل وجود السوريين ووصايتهم أو خلالها. ومع أن بعض جهات النظام السوري كانت تركّز على التطرف الديني والتعصب لدى بعض قيادات السنّة، فإن ذلك التركيز كان المقصود به التشنيع على مَن تعتبروهم ضدها وتُخيف المسيحيين مدنياتهما لمبينة، وليس في مواجهة الشيعة، ولذا فإن التباعد الشعبي والسياسي بين فريقي المسلمين هو من صناعة محلية أو أن الأطراف الداخلية المختلفة هي التي تحمّست له، الى حدود تظهير التغير في مفهوم «العيش المشترك»، متبدلاً من أن يكون الأمر – كما في الدستور – أن العيش المشترك هو عيش بين المسلمين المحسوبين دينياً وسياسياً معاً – مع المسيحيين المحسوبين كذلك أيضاً، صار التصور ثلاثياً، أي أن «العيش المشترك» ينبغي إعادة تنظيمه على أساس وجود ثلاث فئات كبرى منفصلة هي الشيعة والسنّة والمسيحيون ولا بد من تفاوض مستجد على ترتيبات مستجدة للعيش أو التعايش معاً.

 

وهذا الأمر يبلغ من أهميته وخطره أن «الصيغة الفريدة» التي يجري دائماً التمدُّح بها في خطاب كل من البطريرك الماروني والرئيس السنيورة، غادرتها فئات واسعة من اللبنانيين في الوعي والمشاعر والتصرفات والترتيبات السكانية، ويُراد أن تتجلى في النص الدستوري، وفي تركيبة النظام (أي القرار فيه)، وفي المؤسسات الرئيسة.

 

بيد أن الانقسام بين المسلمين المتحول الى صراع على السلطة والمؤسسات، يظهر أيضاً بين المسيحيين. إذ الأمر لا يقتصر على التحاق فريق بالشيعة، وآخر بالسنة، استقواء واستنصاراً، بل هناك خلافات عميقة في ما بينهم عادت للظهر، بعد ثلاث وقائع: حدث توحيد بشير الجميل للمسيحية السياسية بالقوة آخر السبعينات، والانقسام بين عون وجعجع آخر الثمانينات، والخطاب المسيحي الواحد (ضد السوريين) في ما بين العامين 1992 و2005.

 

وإذا اتخذنا من محطة رئاسة الجمهورية مَعلَماً للدراسة، نجد هذا التدرّج وهذا التجلي للإشكاليات الثلاث: إشكالية الانقسام بين المسيحيين، والتي تظهر في الخلاف الصاعق بين الجنرال عون من جهة، والمسيحيين الآخرين من جهة ثانية. لكن حتى التوافق بين خصوم الجنرال عون على قائد الجيش بدفع من النائب سعد الحريري، ما تمّ من دون تردد وصعوبات. وذلك بسبب تعدد المرشحين، ولأن الطبقة السياسية المسيحية شعرت بإحباط شديد وفشل بالغ، لاستمرار الإعراض عنها.

 

ويتجلّى الانقسام بين السنّة والشيعة في محاولة نقل النزاع أو التركيز – بعد التظاهر بالإجماع على قائد الجيش – الى الحكومة. فبعد طرح ترشيح العماد سليمان، والذي أحدث صَدمة لدى الشيعية السياسية، جرت محاولة تجاوز ذلك لعدم إضافة المسيحيين وخسارة الجيش، بالإقدام صراحة على الاصطدام بالسنّة في ما يعتبرونه منصبهم ودورّهم: رئاسة الحكومة، وتشكيل الحكومة (أو ما يُعرف بالثلث الضامن أو المعطِّل!). فانتخاب العماد سليمان – بحسب هذا الخطاب – لا غُبار ولا اعتراض عليه (على رغم أنهم قالوا للجنرال عون غير ذلك!).

 

لكن التعديل الدستوري الضروري لا يجوز أن يمر بحكومة الرئيس السنيورة القائمة لأنها غير شرعية وغير دستورية. وعندما بدا أن النائب الحريري يمكن أن يُصغي لتفسير للدستور يُضائل من حجم هذه العقبة، جرى فوراً القفز الى ضرورة أخرى وهي: السلّة المتكاملة التي ينبغي الاتفاق عليها قبل انتخاب الرئيس، وأول بنودها وأهمها الثلث «الضامن» في الحكومة الجديدة، مع إشارات خفية الى شخص رئيس الحكومة، وعناية بقائد الجيش الجديد، والمناصب الكبرى بالدولة. وكان السيد حسن نصر الله قد تحدث عن «السلّة» في آخر خطاب له قبل طرح اسم العماد سليمان في التداول. لكن كان المفهوم وقتها أن المقصود تعطيل انتخاب الرئيس. أما في الظرف الحالي فإن الأمر يعني إضافة الى ذلك افتراقاً سياسياً واضحاً بين الشيعة والسنّة، ويعني قبل ذلك وبعده فقد الثقة شبه الكامل بين الطرفين، بل بين الأطراف السياسية جميعاً.

وإذا وصل بنا التدرُّج الى العامل السوري، نجد أن النظام هناك لا يريد انتخاب رئيس للبنان الآن على الأقل. وكان الرئيس الأسد قد قال لبعض مَنْ قابلوه إن على اللبنانيين أن يعتادوا على فكرة الفراغ طوال العام 2008. وعندما تكاثرت عليه الوساطات اشترط إجماع اللبنانيين، ولفتَ الى أهمية إرضاء الجنرال عون، لأنه يعرف أن عوناً لا يريد شيئاً لغير نفسه، ولان يوافق الآخرون عليه. ثم تبنّى أخيراً مطلب المعارضة في السلّة أو في حكومة الثلث الضامن. ومما لا شك فيه أنه لو توافقت الأكثرية والمعارضة على الحكومة المقبلة، فإن الجانب السوري سيجد عللاً أخرى للتعطيل.

 

وقد جاء قتل الجنرال فرانسوا الحاج في هذا السياق، لكي يحسب العماد سليمان قبوله بالترشُّح للمنصب، ويعود الخلاف الى المربّع الأول. ولدينا من العام 2000 نموذج التعامل مع الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، وقد خشي الجانب السوري يومها أن يُطالَب هو أيضاً بالانسحاب، فجرى ابتداع مسألة مزارع شبعا، والتي ظلّ الجنرال جميل السيّد يفخر بأنها من عندياته حتى دخل السجن كما هو معروف.

 

كيف تتطور الأمور؟ رئيس مجلس النواب أجّل جلسة الانتخاب للمرة العاشرة الى يوم السبت المقبل في 29/12/2007. ولن تجري الانتخابات يومها بالتأكيد، وسينتهي بذلك أمَدُ الانعقاد الحالي لمجلس النواب حتى شهر آذار (مارس) المقبل. ويمكن بسبب الظروف الاستثنائية أن تدعو الحكومة المجلس استثنائياً للانعقاد لكن رئيس المجلس لا يعترف بالحكومة القائمة، وهو بالتالي لن يتسلّم دعوتها إن أرسلتها. وقد عاد السوريون والإيرانيون والمعارضة اللبنانية للقول إن الحل كان على الأبواب لولا ظهور وكيل وزارة الخارجية الأميركية ببيروت، وتعطيله للحل، في حين كان السوريون وكانت المعارضة – بحسب هذه الرولية – يتعاونون مع الفرنسيين للوصول الى مخرج.

لكن أياً يكن الرأي في مقاربة الفرنسيين للموضوع، فالراجح بعد الاجتماع بباريس من أجل لبنان – على هامش مؤتمر دعم الفلسطينيين – أن الفرنسيين لن يعودوا الآن للوساطة، إلا إذا ارتأى الفاتيكان تحريك الأوروبيين من جديد، وهذا غير مرجح. وهناك من جهة أخرى المحادثات التي أجراها المسؤولون السعوديون مع الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد أثناء حجّه، وتناولت موضوعات عدة منها لبنان.

 

لكن وزير الخارجية الإيراني رمى بالقُفّاز في وجه الأميركيين، ولا يبدو أن الإيرانيين – الذين يعرفون مدى إصرار السوريين – سيندفعون في القريب العاجل للتهدئة وتخفيف التوتر في لبنان رغماً عن حلفائهم في سورية.

 

والاختلافات في الداخل اللبناني كبيرة – كما أوضحنا -، لكنها ليست مستعصية على التسوية ما دام هناك مرشح واحد لرئاسة الجمهورية، بيد أن السوريين لا يريدون رئيساً للبنان، وإيران لن تدفع أنصارها بالداخل اللبناني باتجاه معاكس للسوريين الآن. ولذا فالراجح أن لا يحدث شيء كبير بهذا الاتجاه قبل آذار، وهذا إن حدث حينذاك. على أن الوضع البالغ السوء والسائد حتى الآن، لا يُنتظر أن يبقى على حاله وسط الفراغ البلقع. فالحكومة القائمة ستتحرك للتصدي لبعض المشكلات، ومعالجة بعض الملفات. وقد بدأت تهديدات المعارضة بأنه إن حركت الحكومة ساكناً فإنها ستمنع ذلك بالقوة!

يحتاج الأمر الى مصالحات وطنية كبرى. وهذا يمكن أن يحدث في المفاوضات على تشكيل الحكومة الجديدة بعد انتخابات الرئاسة، لكن انتخابات الرئاسة لن تحدث. ولا حاجة للتحذير من الدخول في مناقشات بيزنطية، فهي قائمة ومشتغلة منذ سنوات. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل