#dfp #adsense

ميشال سليمان “المرشّح” وحيثيات “الانغماس” السياسي

حجم الخط

14 آذار وضعت أكثريّتها بـ”تصرّفه” وأكدت أن ترشيحه “مفتوح” لا آجال تحدّه..
وهو مدعومٌ كنسياً وخارجياً

ميشال سليمان “المرشّح” وحيثيات “الانغماس” السياسي

نصير الأسعد

 

قبل ثلاثة أسابيع، تقدّمت 14 آذار بمبادرتها التسووية القاضية بتعديل الدستور لانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. وإذا كانت الحركة الاستقلالية اللبنانية تقدّمت بهذه التسوية تأكيداً لرفضها إطالة أمد الفراغ في الرئاسة، وعلى تقدير منها أن ليس في وسع أحد الاعتراض ـ جهاراً على الأقل ـ على ترشيح سليمان الذي يمتاز بكونه على “مسافات” من أطراف الصراع السياسي، فإنها ومنذ ذلك الوقت تقدّم البرهان تلو الآخر على التزامها بملء الفراغ عبر إنتخاب سليمان.


14 آذار وترشيحها المفتوح لسليمان
في “السياسة” ماذا “أعطت” 14 آذار؟


بالإضافة الى التنازل عن واحد من مرشحيها الرسميين وإعادة النظر بالموقف المبدئي من تعديل الدستور، فإن أول ما أعطته 14 آذار هو وضع أكثريّتها النيابية بـ”تصرّف” العماد سليمان لا بل جعلته مرشحاً قوياً ينطلق من أكثرية نيابية.
كذلك، بطرحِها هذه التسوية لم تعطِ 14 آذار “النصف زائداً واحداً”، أي أنها لم تعلّق حقّها الدستوري في الانتخاب بالأكثرية المطلقة فقط، بل هي أعلنت أن ترشيحها سليمان “مفتوحٌ” زمنياً، ولا آجالَ تحدّه، ومتى وافقت “المعارضة” على السير بهذا الترشيح من دون شروط مسبقة، فإن 14 آذار حاضرةٌ للانتخاب وهي المبادرة أصلاً الى هذا الطرح.


.. وحرصها على تعزيز دوره كحكَم


وحيال الشروط التي وضعتها “المعارضة” بالأصالة عن نفسها وبالنيابة عن النظام السوري، وهي الشروط التي عادَ النظام السوري على لسان وليد المعلّم الى طرحها، رابطاً الموافقة على إنتخاب العماد سليمان بـ”سلّة” مطالب سياسية مِن خارج المسار الدستوري ـ والميثاقي ـ لم تكتفِ 14 آذار برفض الاشتراطات التي يسعى واضعوها الى تغيير التوازن السياسي في البلاد، بل دافعت عن صلاحيات رئيس الجمهورية لا سيما توقيعه على مرسومَي التكليف والتأليف. وأكثر من ذلك، وفي موقف لم يسبق اتخاذه في أي وقتٍ من الأوقات، أعلن أكثر من ركنٍ في 14 آذار الموافقة على أن يكون لميشال سليمان الرئيس “الصوت الوازن” في حكومة ما بعد انتخاب رئيس الجمهورية. ومعنى ذلك ممّا بادرَ زعيم “تيّار المستقبل” سعد الحريري الى إعلانه، كبير جداً. يعني أولاً ـ سياسياً وعملياً ـ أن 14 آذار لن يكون لها ثُلثا القرار في الحكومة المقبلة. ويُفترض ثانياً ألاّ يكون ثلث التعطيل لـ”المعارضة”. لكن أهم ما يعنيه هو أن 14 آذار التي لم تطرح “أي مسيحي” الى رئاسة الجمهورية بل رشّحت “مسيحياً قوياً”، إنما تعزّز القدرة السياسية والعملية للرئيس على أن يؤدي دورَه المنصوص عليه في الدستور، أي قدرته على أن يكون حكَماً.


دعم بكركي والتأييد العربي والدولي


من هنا، فإن ما أعطته 14 آذار كثير، وينفي اتهامها بالسعي الى إسقاط رئاسة الجمهورية تارةً، وبالسعي الى الاستئثار تارةً أخرى، وغيرهما من الاتهامات الكاذبة.


في موازاة مبادرة 14 آذار، أعطت الكنيسة المارونية وعلى رأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير تأييدها لتعديل الدستور وبركتها للعماد سليمان.


وبالتوازي أيضاً، كان ترشيح سليمان يتلقّى دعماً عربياً ودولياً إستثنائياً. وأكثر من ذلك صار الكلامُ العربي والدولي عن “التوافق” في لبنان وعن “الرئيس التوافقي” يعني ميشال سليمان تحديداً.


الشروط السورية ومزايدة عون وتشكيك “المعارضة”


في المقابل، عكست مواقف النظام السوري والمحور السوري ـ الإيراني و”المعارضة” قراراً بوضع شروط مانعة لانتخاب سليمان. وعكسَت قراراً بتقييده. وكان واضحاً من مواقف الجنرال ميشال عون أن العماد سليمان لا يمثّل ضمانةً، لا بل زايدَ عون في ما يسمى “حقوق المسيحيين” لكأنّ هناك مشكلة مسيحية خاصة أو لكأنّ سليمان ليس حريصاً على حقوق طائفته. أما البعضُ الآخر في “المعارضة” فعلاوةً على مطالبته بـ”الثلث المعطّل”، فإنه عندما حُشر فسّر هذه المطالبة باتجاهين: الأول هو القول إن وجود ميشال سليمان “بالرغم من احترامنا له” (!) في رئاسة الجمهورية لا يشكّل ضمانةً بحدّ ذاته للمرحلة السياسية المقبلة، والثاني هو التشكيك الصريح في الوزراء الذين يعود الى سليمان اختيارهم في خانته في الحكومة المقبلة “لأن الأكثرية يمكن أن تشتريهم” (!).


.. واغتيال فرنسوا الحاج


وبين هذا وذاك من المواقف السورية والمواقف “المعارِضة”، حصل حدثٌ كبير هو جريمة اغتيال اللواء الشهيد فرانسوا الحاج.
هذه الجريمة التي ارتكبتها بلا شك شبكةٌ استخباراتية سورية، هدَفت الى “الاقتصاص” من الشهيد الحاج ودورَيه السابق واللاحق، وإلى ترهيب المؤسسة العسكرية اللبنانية من زاوية كونِها حجر عثرة في وجه المشروع الانقلابي السوري في لبنان من جهة ومن زاوية كونها مؤسسة إنفاذ السيادة على كامل الأراضي اللبنانية من جهة أخرى، كما هدفت الى إبلاغ العماد سليمان رسالة بين الاعتراض على ترشيحه وبين الضغط عليه لتحييد المؤسسة “على الأرض”.


سليمان لا يزال يتصرّف كقائد للجيش
في خضمّ هذه التطوّرات جميعاً، يلاحظ العديدُ من المتابِعين أنّ ميشال سليمان بقيَ قائداً للجيش، أي أنّه لم “يؤدِّ” كمرشح رئاسيّ أو كرئيس بالتوافق.


“يسمع” العماد سليمان المواقف كلها. وعدا ما يُنقل إعلامياً بينَ الحين والآخر عن “زوّاره” من استياء لديه من هذا الموقف أو ذاك لـ”المعارضة”، ومما سمّاه “الزوّار” قلّة الثقة التي يبديها فرقاء في “المعارضة” حيالَه، وانزعاجه من الشروط على “انتخابه”، فإن اللافِت هو ما تصدره “مديرية التوجيه” في قيادة الجيش من فترة الى أخرى من بيانات تطالب بـ”إخراج الجيش من التجاذبات السياسيّة”، وما يدعو إليه سليمان في الاتجاه نفسه.


في هذا المجال، يعربُ المتابعون عن اعتقادهم أن ثمّة “حسنات” كثيرة لمحافظة سليمان على دوره في قيادة الجيش “كأنه باقٍ فيها أبداً” وذلك في الفترة الانتقالية المريرة التي يمرّ بها لبنان. فهو يحافظ على وحدة المؤسسة وعلى تماسكها حول مهمات حماية البلد وسلمه الأهليّ. غير أنّهم يرون أن ثمة وجهاً آخر للمسألة.


..لكنه “مرشّح” أيضاً


في هذا الوجه الآخر، انّ ما يجري الآن ليسَ “تجاذباً” بشأن الجيش أو بالأحرى ليس تجاذباً حول الجيش فقط. انّه تجاذب حول قائد الجيش كمرشح رئاسيّ أو كرئيس توافقي مطروح لإنقاذ الرئاسة من الفراغ ولإفتتاح مرحلة سياسيّة لبنانيّة جديدة.


بهذا المعنى، يرى المتابعون ان قدراً من “تلوّث” العماد سليمان بـ”السياسة” ضروريّ. فمن حقه أن يفصل بين صفتيه كقائد للجيش وكمرشّح، وأن يعلن كمرشح مواقف سياسيّة، وأن يقول ما الصح وما الخطأ.. بل أن يعمد الى توسيع قاعدته النيابية بما يضيفُ على عدد نواب الأكثرية.


ليسَ في ذلك أيّ محاولة لـ”زجه” في الصراع السياسي. فلا هو من 14 آذار ولا هوَ من 8 آذار. هو معترف له بأنه على “مسافات” من الجميع. لكن في ما يطرح ما يتعلق به وما يعنيه كرئيس “بالفعل”. يقدّر الجميع حرصه على أن تبقى صورته كالبلّور، لكنه في مرحلة انتقال الى “السياسة” حيث “لا بلّور بالمطلق”. وأن تكون له مواقفه وحركته الرئاسية، فذلك لا يرتب عليه الظهور علناً بالضرورة مع أن اتصالات سياسية تحصل معه و”تطالبه” بأشياء وترمي أمامه أشياء.
العماد سليمان من النزاهة ما يؤهله لأن “يفصل” في العديد من الأمور.


وأن يؤدي دورَه كمرشح لا يعني أن يتحوّل الى فريق. فبوسعه أن يكون من موقعه مرشحاً حكَماً.
ولا مبالغة في القول إنّ ميشال سليمان بما يتمتع من كفاءَة، ومن دعم واسع، يستطيع أن يساهم في “خلط أوراق” اللعبة، لا بل في إنقاذ الاستحقاق الرئاسي نفسه.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل