عقارب الساعة
نشرة ليسيس
نشرة ليسيس
كان المفكّر الصيني ينتقل مع صديقته وهما يحملان زجاجة خمر وقليل من الطعام حين مرّا بساحة عامة وشاهدا رجلاً يتسلق سلماً طويلاً للوصول الى الساعة الكبيرة التي تزيّن الساحة، وعندما سألا عمّا يفعل أجيبا بأنه يسعى لإعادة عقارب الساعة الى الوراء، فإخذ المفكّر بذراع صديقته مبتعداً، وعندما سألته إمكان البقاء قليلاً لمراقبة المشهد أجابها: إن الرجل أما أحمق ومجنون، او مناور ومخادع، وفي كلا الحالتين فسيحّل الظلام بعد قليل على الساحة ومن سيصدقه ساعتئذٍ إذا كان قد أعاد العقارب مثلاً الى الساعة الواحدة ظهراً!!.
وفي لبنان تسعى المعارضة الى إعادة عقارب الساعة الى الوراء كل لأسبابه الخاصة، فحزب الله – لأسباب وجودية – رغم كل المديح الذي يكيله قادته ومسؤوليه للعماد سليمان لا يمكن له ان يسير في عملية انتخابه رئيساً الا بشروط الحزب التي تكبّل الرئيس والرئاسة وتعيد أوضاع المؤسسات الأمنية الى ما كانت عليه طوال سنين الوصاية الطويلة، وهو ما أتاح للحزب الإلهي ان يحصل على السلاح بحرية ويحتكر قرار الحرب والسلم والقدرة على تعطيل عمل المؤسسات وشلّ لبنان في الأوقات الصعبة إقليمياً – خصوصاً عند راعيه – وشروط الحزب لا يمكن لقائد الجيش التسليم بها او الإستجابة لمندرجاتها لأنها تفرّغ عهده قبل ان يبدأ وتوصله الى حالة يلي فيها الأحكام ولا يحكم، وهذا الأمر مرفوض مسيحياً اولاً ووطنياً أيضاً للأسباب نفسها تقريباً. أما العماد ميشال عون – لأسباب شخصية – فإنه يسعى الى إعادة عقارب الساعة الى الوراء وقد قال بنفسه الأسباب التي تحدوه الى فعلته هذه، فإن انسحاب العماد سليمان من السباق الرئاسي – قرفاً وضيقاً – يعيد الأمل لبطريرك الرابية في السعي الى المنصب المرموق والذي يشكل حلماً عنده قاتل في سبيل الوصول الى تحقيقه تقريباً الجميع في الداخل والخارج، ولا مانع عنده اليوم من إشهار سيف “دون كيشوت” والهجوم على طواحين الهواء تنفيذاً لمآربه. والرئيس نبيه بري مستعد لإعادة عقارب الساعة الى الوراء ولو كان لا يعرف لهذا سبباً، فالرجل سلّم أمره الى الجهات الإقليمية النافذة وهي بدورها سلّمت قياد الثنائية الى ممثل المرشد الأعلى فصار الرئيس بري لا يعرف حتى لماذا تدّس السلة في يده تارة، ولماذا يسحبوها ويضعوها في جيب آخر طوراً. ويبقى الأفرقاء الصغار في المعارضة الذين يسعون ابدورهم لإعادة العقارب الى الوراء لأهداف صغيرة تبدأ بإمكانية عودتهم الى مواقع مسؤولية مرّة بعد قبل التقاعد! او الحصول على مقاعد “وديعة” للنظام السوري يستحيل الحصول عليها دون استعادة ما كان سابقاً من هيمنة وتسلّط!.
يبقى في الختام ان نائباً في الأكثرية أجاب ديفيد ولش عند الإجتماع به في زيارته الأخيرة للبنان وعندما تحدث المسؤول الأميركي عن إمكانية الإنتخاب بالنصف زائداً واحداً والتغطية العربية والدولية لهذا الخيار، أجاب النائب الأكثري: نحن لا نناور في ترشيح العماد سليمان وإذا كان العالم يريد مساعدتنا فالأمر يتم بالضغط على دمشق لتسهيل الإنتخاب دون شروط مسبقة، وترك الحرية للرئيس الجديد في إعادة بناء المؤسسات إنطلاقاً من مبدأ ان الرئاسة الأولى هي فوق المؤسسات وهي الحكم بينها جميعاً. وهذا الكلام الجلي والواضح هو حلم اللبنانيين وأمنيتهم، وتحقيقه يعيد اليهم الأمل ويحفزّهم على البقاء والكفاح في سبيل لبنان الوطن لا لبنان الساحة التي يرجوها العاملون على إعادة عقارب الساعة الى الوراء.