#adsense

الجنرال يؤدي دور “مسيحيي سوريـّا” زمن الوصاية

حجم الخط

“فجور” الحملة على الحكومة والأكثرية بعنوان “صلاحيّات الرئيس”
لا يحجب تواطؤ عون و”حزب الله” على الصيغة وحقوق المسيحيين

الجنرال يؤدي دور “مسيحيي سوريـّا” زمن الوصاية
نصير الأسعد

 

لم يعد “الفجور السياسي” مفاجئاً. وذلك بالضبط لانه لم يعد استثناءً بل صار قاعدةَ سلوك لـ”المعارضة” في إطار الصراع الذي تشهدُه البلاد. وآخر نموذج من هذا “الفجور” الحملة التي يشنّها الجنرال ميشال عون وتيّاره بالتناغم مع “حزب الله” و”أمل” ضدّ مبادرة الحكومة إلى إقرار مشروع قانون تعديل الدستور لانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية وفتحها دورة استثنائية لمجلس النوّاب بين الأول من كانون الثاني المقبل و17 آذار 2008. حملةٌ تحت عنوان “مصادرة” صلاحيّات رئيس الجمهورية.


هكذا ـ بـ”الفجور” ـ تحوّل معطّلو العملية الدستورية لانتخاب الرئيس إلى مدافعين عن الرئاسة وصلاحيّات الرئيس. وهكذا صار إستخدام صلاحيات الرئيس وكالة واضطراراً ومن ضمن الدستور من أجل إنقاذ الرئاسة مصادرةً للصلاحيات. وهكذا صارت ممارسة مجلس الوزراء مجتمعاً بمسلميه ومسيحييه لصلاحيات الرئيس بهدف حماية الرئاسة باباً للتحريض الطائفي لكأنما من حلّ وكالةً مكان الفراغ الرئاسي هو رئيس مجلس الوزراء السنّي وليس مجلس الوزراء “المختلط”.


عون و”المقايضة” على معركة الاستقلال


في مثل هذه الظروف، ولأن الجنرال عون يمثّل “المتراس” الذي تتلطّى “المعارضة” وراءه، في موضوع يتعلّق بالدرجة الأولى بموقع المسيحيين في الشراكة الوطنية، لا مفرّ من “حساب” مع سياسة عون ومع الأخطار التي تجرّها على لبنان ككلّ ومسيحييه خصوصاً.


منذ عودته “غير المظفّرة” إلى لبنان، قامت السياسة التي اتبعها الجنرال على “محور” وحيد هو “المقايضة” بينه وبين النظام السوري وحلفاء هذا النظام، بحيث تتم تبرئة نظام الأسد من التخريب على الاستقلال اللبناني في مقابل وعود إمّا بالرئاسة تارةً أو بـ”ضمانات” للمسيحيين تارة أخرى.


هذه “المقايضة” هي التي حكمت المسار العوني منذ أيار 2005. وبموجبها تخلّى عون، وقد حمل نظريّة انّ “سوريا باتت خارج لبنان”، عن أيّ دور في معركة الاستقلال بل دفع بقوة باتجاه إخراج المسيحيين من معركة الاستقلال وباتجاه قطع صلاتهم بالمجتمع الدولي. وبموجبها أيضاً إنتقل الجنرال، وحاول الانتقال بالمسيحيين من مواجهة النظام السوري إلى تبرئته من التدخل ومن جرائم الاغتيال ومن شتّى صيغ التخريب، ومن دعم الشرعية الدولية إلى مواجهتها والتعاطي معها بوصفها “سلطة وصاية”، ومن دعم مشروع الدولة إلى دعم “سلاح حزب الله”.


الجنرال يبرئ دمشق ويعادي الزعامة السنّية


والأخطر في هذا المسار العوني، انّ الجنرال اخترع عدوّاً داخلياً، فراح يطرحُ نفسه حامياً للمسيحيين وحقوقهم من خطر إسلامي، سنّي تحديداً، مصوّباً على فريق لبناني لعب دوراً أساسياً في انتزاع الاستقلال اللبناني الثاني.
من نتائج ذلك كلّه انّ الجنرال قدّم خدمة كبيرة للنظام السوري كي يستمر في التحكّم بالوضع اللبناني بغطاء من عون الذي شقّ الرأي العام الاستقلالي والسيادي في البلاد. وعلى هذه الخدمة إستحقّ شكر النظام السوري: فاروق الشرع أعلنه الصديق الأول لسوريا أي لنظامها، ووليد المعلّم نطق بمطالب عون و”المعارضة” بمناسبة الاستحقاق الرئاسي ما حمل الجنرال على التنويه بـ”التقارب” مع نظام دمشق.


..ويخدم “حزب الله”


لكن خدمة موازية في أهميتها وخطورتها قدّمها عون لـ”حزب الله”. فبالرغم من إنتهاء “المقاومة” فعلياً منذ 14 آب 2006، وبالرغم من توقّف “المقاومة” عملياً وواقعياً منذ ذلك التاريخ في ظلّ أحكام القرار الدولي رقم 1701، إستعصى “حزب الله” بسلاح “مقاوم” لـ”لا مقاومة”، وعصي به عن أي بحث داخلي، لا بل مضى في تعزيزه والاستقواء به على الداخل.
ووراء عون، وقف النظام السوري وإيران و”حزب الله” والرئيس نبيه بري. وقفوا جميعاً وراءه بـ”سياسة” النظام السوري التعطيلية. وقفوا وراءه لتعطيل انتخابات الرئاسة، فنصّبوه مرجعاً لهذه الانتخابات وفرضوا عليها شروطاً تمنع حصولها. ويحدّث الجنرال بعد ذلك عن الرئاسة وصلاحيات الرئيس… عن حقوق المسيحيين عبر سوريّا وإيران!


“مسيحيو الوصاية”


وهنا، فإن ما لا بدّ من تسليط الضوء عليه، هو انّ عون حلّ، خلال الفترة الممتدة من أيار 2005 إلى اليوم، مكان “مسيحيي النظام السوري” بل اختصرهم. مسيحيو زمن الوصاية من حلفائه كانوا يردّدون باستمرار انّ الوصاية هي التي تؤمن الحماية للمسيحيين، لا بل تمسّكوا ببقائها تحت هذا العنوان. ومسيحيو زمن الوصاية من حلفائه كانوا يسعون، في سبيل تنفيس الغضب المسيحي على الوصاية، إلى تشتيت الأنظار عنها باتجاه الزعامة الإسلامية متمثّلة آنذاك بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، لاختلاق خطر موهوم إسمه “خطر رفيق الحريري وخطر التمدّد السنّي”، في وقتٍ يعرفُ الجميع أو بات يعرف اليوم انّ الوصاية السورية اضطهدت كلّ الذين كان لهم نفس استقلالي، وقد عمّد رفيق الحريري سيرته بدمائه.


حقوق المسيحيين في مرآة المجمع البطريركي


إنّ هذا الكلام هو للقول إنّ الجنرال، وفي سبيل التغطية على إنتقاله إلى “جبهة” النظام السوري، يحاولُ إختلاق مشكلة مسيحيّة “خاصّة”، لإستخدامها في تحريض طائفيّ داخليّ ولتقسيم الموقف اللبناني الإستقلاليّ ولإستدراج عطفٍ مسيحيّ شعبيّ.


والحال أنْ لا مشكلة مسيحيّة “خاصّة”. وبكلام أدقّ لا مشكلة مسيحيّة مع إتفاق الطائف. والقائل بذلك هو المجمع البطريركيّ المارونيّ في العام 2006. فقد أكد المجمع أن “خلاص لبنان يكون لكل لبنان أو لا يكون ويقوم بكل لبنان أو لا يقوم، وليس من حل لمجموعة دون أخرى ولا لمجموعة على حساب أخرى”.


خلاصُ لبنان من الوصاية والتعطيل والتخريب، هو مسألةٌ لبنانيّة عامّة. ولا مشكلة مسيحيّة مع اتفاق الطائف كما لا مشكلة لأيّ طائفة مع اتفاق الطائف. حقوق الطوائف محفوظة في الطائف على قاعدة المساواة. وإذا كان من مشكلة لـ”حزب طائفة” من الطوائف، فلا مشكلة لطائفة هذا الحزب، إنما المطلوب في هذا المجال هوَ بلورة ديناميّات تطبيق الطائف. وعلى سبيل المثال، فإنّ المشكو منه مسيحيّاً على صعيد قانون الانتخاب، هو محلّ شكوى لدى طوائف أخرى، فمن قال ان التمثيل السياسيّ العادل لكل الطوائف ليس مطلباً عاماً؟


“حزب الله” يستفيد من رأس الحربة المسيحيّ


على أنّ ما لا بدّ من التوقّف عنده هو الخدمة الأخرى التي يقدّمها عون لـ”حزب الله”، وقد تحوّل الجنرال الى “مكتب خدمات” يتمّ “إستخدامه” أيضاً.


ليس ثمّة ما يُسعد “حزب الله” في هذه الأيّام أكثر من أن يكون فريق مسيحيّ لا يكتفي بتغطية تعطيل إنتخاب رئيس الجمهوريّة المسيحيّ، بل يتقدّم صفوف الإعتراض على الصيغة.


“حزب الله” سعيد بلا شك، لأنّه باستمرار تعطل الرئاسة والمؤسسات الدستوريّة يكسبُ وقتاً لتعزيز قوته… وفيدراليته أو دولته. وهو سعيد بـ”حرب” مسيحيّة على الصيغة لأن البداية المسيحيّة مطلوبة كي “يصل” الموضوع إليه. وهو سعيد لأنه يملك الصيغة البديلة بل يملك مقوّماتها، وهو ينتظر أن يحين الأوان ليتم “تشريع” الواقع القائم. وصيغة “حزب الله” هيَ فيدرالية شيعيّة تحت مسمّى “المثالثة”.


البحث يطول في هذه العناوين. بيدَ أن ما يلعب به عون خطير جداً. فالمسيحيّون هم أول ضحايا أيّ إعادة نظر في الصيغة تحت أي عنوان. ويجب ألا يتفاجأ أحد بالقول إن الشيعة هم الضحايا الآخرون. والمقصود هنا عامّة الشيعة وليس “شيعة حزب الله”. فقد يعتبر “حزب الله” أنّ فيدراليته أو دولته قابلة للحياة بسبب الدعم الإيراني أو السلاح (بل الجيش الخاص)، غير أنه لا يمكن ربط مصير طائفة بعوامل “عابرة” أي “غير دائمة”. وعلى أي حال يستطيع الشيعة من غير “حزب الله” أن يشهدوا لـ”حقيقة” أنّ أيّ مكسب لم يجنوه من “دولة حزب الله” بدليل تجربة ما بعد حرب تموز 2006.


الأداة المفضوحة


إذاً، بالعودة الى “الفجور السياسيّ”، لا بدّ من مواجهة “الفاجرين” وأصحاب حملة التباكي على صلاحيّات الرئيس بـ”حقيقتهم”.


يجب أن يُعاد الاعتبار لـ”أصل” الصراع السياسيّ معهم بما هو صراع يتصل بالإستحقاق الرئاسيّ لكنّه يتجاوزه الى ما يتعلق بصيغة لبنان وبالعيش المشترك في لبنان.


فإذا حصل ذلك ويجب أن يحصل، لن يتأخر أحد في إكتشاف أنّ عون أداة تستخدمُ سورياً وحزب اللّهيًا ضدّ المسيحيين وحقوقهم، وضدّ لبنان وإستقلاله ومساره الدستوريّ والديموقراطيّ. عون رفعَ راية “حقوق المسيحيين” لتغيير طريقه والتضليل، لكنه فضَحَ نفسَه في الأمرين معاً.


ومن أجل بقاء الرئاسة المسيحيّة للجمهوريّة اللبنانية، ومن أجل صلاحيات الرئيس، ومن أجل الشراكة الوطنية المتساوية، يناضل مسيحيّو لبنان ومسلموه معاً ضدّ التعطيل السوريّ المباشر وبأدوات داخليّة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل