المعارضة تخيّر الموالاة بين فراغ شامل أو إستسلام كامل
الثقة بالعماد سليمان تتطلب إطلاق يده لا تكبيلها
الثقة بالعماد سليمان تتطلب إطلاق يده لا تكبيلها
اميل خوري
رفض المعارضة غير المفاجئ لمشروع تعديل المادة 49 من الدستور، الذي اقره مجلس الوزراء لاتاحة انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية ومشروع فتح دورة استثنائية لدرس المشاريع الملحة واقرارها مثل مشاريع موازنات السنوات الثلاث الاخيرة والمشاريع الاصلاحية التي تتطلبها مساعدات باريس 3، طرح في اوساط سياسية ورسمية وشعبية الاسئلة الآتية:
أولاً: ماذا تريد المعارضة؟ هل تريد فعلاً انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، ام انها تريد عرقلة انتخابه وتقييده بشروط شبه تعجيزية؟
ثانياً: لماذا لا تؤمن نصاب الثلثين بحضور نوابها جلسة الانتخاب اذا كانت تدعي ان ترشح الغالبية للعماد سليمان يخفي مناورة، او اذا كانت تعتبر ان الولايات المتحدة الاميركية هي التي تعرقل اجراء الانتخابات؟
ثالثاً: اذا كانت المعارضة تتهم الحكومة بأنها راغبة في البقاء كي تستأثر بالسلطة وتستخدم صلاحيات رئيس الجمهورية المنوطة بها بالوكالة بموجب الدستور، فلماذا لا تستعجل انتخاب رئيس للجمهورية للتخلص من بقاء الحكومة؟
رابعاً: اذا كان يجوز دستوريا انتخاب العماد سليمان بدون تعديل للدستور، فلماذا لا يتم الانتخاب؟
الواقع ان المعارضة، ولا سيما حلفاء سوريا فيها، تنفذ قرار احداث فراغ شامل في البلاد لشل كل المؤسسات وتعطيل عملها، علَّ هذا الفراغ يؤدي، اذا طال، الى فوضى او فتنة داخلية، وهو ما يحذر منه اكثر من مسؤول سوري، وتحقيقا لهذا الهدف، فهي تعرقل تعديل الدستور لاتاحة انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية بحجة ان هذا التعديل ينبغي ألا يمر بالحكومة وهي غير شرعية في نظرها وان مجلس النواب لن يدعى للاجتماع بحضورها.
لقد كان الرئيس فؤاد شهاب يسأل عند حصول خلاف ماذا يقول الكتاب، اي الدستور، وعند العودة اليه يحسم كل خلاف. اما في زمن “العصفورية الدستورية” فترفض المعارضة العودة الى الدستور لمعرفة ما اذا كانت الحكومة شرعية ام لا، وهل ان استقالة وزراء طائفة منها يجعلها غير شرعية، وهو ما لم ينص عليه الدستور، عند تعداد الحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة حتما. ولماذا لم يعرض الخلاف في هذا الشأن على مجلس النواب كي يحسم الجدل حول تفسير المادة 69 من الدستور واعطاء تفسير للفقرة “ي” الواردة في مقدمة الدستور ونصها: “لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”.
لكن المعارضة لغاية في نفسها ونفس من وراءها ترفض حسم الخلاف حول وضع الحكومة كي يظل مادة استغلال سياسي واعتبار كل ما يصدر عنها غير شرعي بهدف شل عمل المؤسسات بما فيها مؤسسة مجلس النواب. وكانت تنتظر خلو سدة الرئاسة الاولى مع انتهاء ولاية الرئيس لحود لتجعل الفراغ شاملا، فلا رئيس جمهورية يتم انتخابه الا بشروطها شبه التعجيزية، ولا حكومة معترف بشرعيتها ليظل هذا الفراغ سلاحاً في يدها وفي يد سوريا تستخدمه للحصول على ما تريد ومنها سلة المطالب الموضوعة في جيب العماد ميشال عون، حتى اذا لم تستجب ظل لبنان من دون رئيس ومن دون حكومة. واذا حاولت الحكومة تأمين الخدمات العامة ومصالح المواطنين اتهمتها المعارضة بأنها تتجاوز حدود تصريف الاعمال، وانها تستخدم بعض صلاحيات رئاسة الجمهورية بقصد اثارة حساسيات مذهبية، مع ان الدستور منح الحكومة هذا الحق، واذا تقاعست الحكومة عن القيام بواجباتها تجاه المواطنين، اتهمتها المعارضة “البناءة” بالعجز والتقصير وحركت المتضررين ضدها…
وعندما توصلت المعارضة الى تفسير دستوري يجيز انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية من دون حاجة الى تعديل دستوري يمر بالحكومة، لم تأخذ المعارضة مبادرة السير بهذا التفسير فتقرر حضور جلسة الانتخاب على هذا الاساس فتكشف عندئذ نيات من لا يريد اخراج البلاد من مأزق الفراغ والاستمرار في العرقلة.
ثمة سؤال مهم يطرح في اوساط رسمية وسياسية وشعبية وهو: هل تريد المعارضة، ولا سيما حلفا سوريا فيها، العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية ام لا؟ اذا كانت تريده حقاً وفعلاً ولها ملء الثقة به، فليس لها ان تضع شروطاً مسبقة عليه بل عليها ان تترك له حرية التصرف في ضوء الواقع والمعطيات التي له حق تقديرها ودرسها، فما من رئيس وضعت عليه قبل انتخابه شرط كالشروط التي توضع على العماد ميشال سليمان خصوصا بالنسبة الى شكل الحكومة حتى في ظروف مماثلة تقريبا للظروف الحالية. فالرئيس كميل شمعون لم تشترط عليه المعارضة، التي كانت تتمثل بـ”الجبهة الاشتراكية الوطنية” والتي اطاحت عهد الشيخ بشارة الخوري وجاءت به رئيساً للجمهورية، ان تتألف اول حكومة منها وهي صاحبة الحق في ذلك وبينها اعضاء بارزون امثال: اميل البستاني، غسان تويني، وبيار اده، كمال جنبلاط، عبدالله الحاج وديكران توسباط، بل ان الرئيس شمعون ارتأى في ضوء الواقع والظروف الموضوعية تشكيل حكومة من خارج مجلس النواب برئاسة الامير خالد شهاب. ولم تشترط المعارضة على اللواء فؤاد شهاب، تحت طائلة تعطيل جلسة انتخابه، معرفة شكل الحكومة التي سيتم تأليفها بعد حوادث 1958 وقد تم تشكيلها برئاسة رشيد كرامي وعضوية الوزراء: فيليب تقلا، شارل حلو، محمد صفي الدين، يوسف السودا، رفيق نجا، فريد طراد، فؤاد نجار. لكن اعتراض حزب الكتائب على تشكيلها ادى الى استقالة الوزير يوسف السودا، من ثم الى استقالة الحكومة برمتها فلم تمثل امام مجلس النواب، ولم تتقدم ببيانها الوزاري، لكن ارتقاء المعارضة يومئذ الى مستوى المسؤولية الوطنية وتقديمها مصلحة البلاد على اي مصلحة اخرى، جعل احد اركانها العميد ريمون اده يتوجه الى منزل الرئيس شهاب في جونيه ويصير اتفاق على تشكيل حكومة رباعية من: رشيد كرامي رئيسا وحسين العويني وريمون اده وبيار الجميل وزراء، وكان شعارها: “لا غالب ولا مغلوب”، وكان بيانها الوزاري مقتضبا جدا استهلته بالقول: “نحن اليوم نجتمع في ظروف استثنائية عصيبة: فالمحنة الدامية التي عشناها جميعا جعلت كل اللبنانيين يشعرون بالحاجة الى ايجاد مخرج عاجل للأزمة. ولسنا في حاجة الى العودة الى الماضي، فقد عقدنا العزم على غسل هذا الماضي والحكومة ترى ان واجبها الأول هو العمل على غرس مبادئ الوحدة الوطنية وتحقيق التعاون والثقة بين المواطنين بحيث يمكن تسميتها “حكومة انقاذ وطني”.
وعندما واجه الرئيس كامل الاسعد، وكان رئيسا لمجلس النواب، مشكلة انتخاب الشيخ بشير الجميل رئيساً للجمهورية اذ طلب منه الرئيس حافظ الاسد عرقلة انتخابه باعلان عدم اكتمال نصاب الجلسة بعد نصف ساعة من انعقادها، رفض الرئيس الاسعد استجابة طلب الرئيس الاسد وابقى الجلسة مفتوحة الى ان اكتمل النصاب تم انتخاب الشيخ بشير رئيسا للجمهورية، اذ اعتبر الاسعد ان الفراغ هو اسوأ للبلاد من انتخاب اي رئيس وتحمل مسؤولية موقفه الوطني وفضل ان يدفع سياسيا ثمن موقفه، من ان يجعل لبنان يدفع ثمن الفراغ القاتل.
انطلاقا من هذا السرد التاريخي السريع، لماذا لا تساعد المعارضة اليوم، كما فعلت المعارضة بالامس، على اخراج لبنان من مأزق الفراغ بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية بدون شروط مسبقة ومحضه الثقة الكاملة كي يتصرف بحرية وبوحي من ضميره وشعوره الوطني، فيتم تشكيل الحكومة التي تقضي بها الظروف والمعطيات سواء كانت ائتلافية من داخل مجلس النواب او من خارجه ومن مستقلين، وان تسهيل مهمته كما تدعي المعارضة لتبرير شروطها لا يكون يفرض حكومة عليه بوزرائها والحقائب وكأنها بدلة جاهزة ليس له سوى ان يلبسها ولو مكرهاً، بل ان تسهيل مهمته يكون باطلاق يده وبمحضه الثقة الكاملة، وهذا لا يقوم به سوى رجال دولة تفتقد البلاد وجودهم بكل اسف.