#adsense

والوطن الأبتر ؟!

حجم الخط

والوطن الأبتر ؟!

راجح الخوري

   

عيدية السياسيين الى هذه القبائل اللبنانية الضاربة في جاهليات الطائفية والمذهبية والاستزلام الاعمى مثلثة وهي:
دولة معطلة بقرار يريد استرجاع الماضي القريب، وهي تكاد تشبه كومة من الخردة. ووطن معلق على صلبان كثيرة مسيحية من غير شر وغير مسيحية ايضا، وبالتالي أفق مفتوح على المآسي والجنون، في وقت ترتفع “علامات الازمنة” البغيضة التي تبشرنا على ما راح يتكرر أخيرا بالعودة الى المتاريس وحروب الشوارع لا سمح الله !


ونحن لسنا في زمن الاعاجيب كي لا يسمح الله سبحانه وتعالى، لذلك فإن المراهنة على وعي الافرقاء المتخاصمين ستكون خاسرة تماما. ويكفي في هذا السياق ان يتأمل المرء في سياق الازمة المستفحلة التي أسقطت سيكولوجياً وسياسياً وحتى ثقافيا شعار “لبنان واحد لا لبنانين”، ورفعت شعار لبنانات متعددة الاتجاهات والارتباطات لا لبنانين فقط هما من نتاج تمزيق البلاد بين أكثرية ممنوعة من ممارسة حقها الديموقراطي، وأقلية تريد ان تسقط كل مفاعيل “انتفاضة الاستقلال” تحت شعار التوافق.


نعم “التوافق التعجيزي” الذي وصل الى حد تعطيل البلاد عبر استقالة الوزراء الشيعة الخمسة، في وقت يستمر قرع طبول الثلث الضامن او المعطل او المشارك، ولا فرق، في حين ان الخمس تقريبا أثبت حتى الآن انه قادر على ابقاء لبنان رهينة أزمة قاتلة.


ولعل أكثر ما يثير الانتباه والذهول استرسال العماد ميشال عون في التنظير لهذا الثلث المعطل، وهو الذي رأس حكومة عسكرية من وزيرين مسيحيين فقط بعد استقالة الوزراء الآخرين من الطوائف الاخرى، وهي حكومة لم تكن بتراء وغير شرعية او ميثاقية، فاستمرت عامين تقريبا وخاضت حربين “حرب التحرير” و”حرب الالغاء”، وطبعا لله في خلقه شؤون… وشجون !

 

طبعا لم يعد هناك أي مساحة صالحة للالتقاء بين تجمع 14 آذار وجماعة 8 آذار، فالخلاف يكاد يصل الى لون الليل والنهار، فما هو ايجابي في نظر الاكثرية يمثل أقصى السلبية في رأي المعارضين والعكس صحيح.
وهكذا فان القرارات التي اتخذتها الحكومة الشرعية في نظر أهلها والاكثرية، البتراء والقرعاء في نظر المعارضة، تجد عمليا تفسيرين هما في غاية التناقض.


الاكثرية تقول إنها قرارات تهدف الى الاصرار على انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، وعلى فتح الطريق الدستورية وضمانها وصولا الى هذا الانتخاب.


بينما تقول المعارضة إن هذه القرارات غير شرعية وغير دستورية وانها جاءت للتخلي عن الالتزام بانتخاب سليمان رئيسا، وهذا كلام من نوع الرماد السياسي الاضافي الذي يُضخّ على سبيل التعمية ليس أكثر.


والدليل البسيط على كل هذا ان سليمان، الذي تكرر المعارضة انه يحظى بتأييدها وثقتها، يكاد لا يؤتمن في نظر المعارضين حتى على تسمية حصته من الوزراء في الحكومة الجديدة، وحتى على اقتراح قائد جديد للجيش يحل مكانه، الى ما هناك من الشروط التعجيزية.

 

ولعل المثير أكثر من كل هذا ان الازمة اللبنانية باتت، بسبب الايحاءات والتدخلات الخارجية، مثل مفاعل من التعقيد يعمل بطاقته الذاتية، ومع انحدار مستوى الثقة بين الطرفين الى ما دون الصفر، لا يمكن مجرد التفكير بامكان التوصل الى حل.
وعلى هذا الاساس يمكن القول: صحيح ما قاله النائب وليد جنبلاط من ان كلام الرئيس جورج بوش عن نفاد الصبر وما الى ذلك من بيع العواطف والمزاعم انما هو عملة بائدة او بضاعة كاسدة لا يمكن ترويجها في أي مكان.


وصحيح ايضا ان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي انخرط في طلاقين لا طلاق واحد، أولا عندما طلّق زوجته ليصير عريسا تنهال عليه هدايا أهل الغاز في هذه المنطقة السعيدة، وثانيا عندما طلّق كل تاريخ السياسة الخارجية الفرنسية في لبنان وسوريا والمنطقة وكلف استعراضياً رقوصاً يدعى برنار كوشنير إرساء سياسة خارجية جديدة، فكان ما كان من انقلاب مخجل على منظومة القيم التي طالما قامت عليها دائما سياسة فرنسا حيال لبنان وما يتهدده من مخططات وأطماع اقليمية !


أما عن العرب وجامعتهم السعيدة، فان الحديث يذكّر طبعا بأهل الكهف. وأما عن بقية دول أوروبا وخصوصا ايطاليا، فمن الملائم ان نتذكّر القول المعروف: الحق على الطليان.


في ظل كل هذا ماذا يبقى لنا في لبنان وسط هذا الانقسام الجذري القاتل بين اللبنانيين؟ لا يبقى لنا ولو مجرد قيراط من الامل او حبة خردل من الرجاء.


لقد تجاوزنا معزوفة “الحكومة البتراء” ونحن الآن امام الوطن الأبتر أو البلد المنكوب الذي تتقاذفه أرجل أبنائه بدافع من الرؤوس البتراء فوق أكتاف الجميع.
ستبكونه أيها التعساء كما بكى العرب الأندلس !

المصدر:
النهار

خبر عاجل