دعوة الى «انقلاب»
حسان حيدر
حسان حيدر
تتعدد الدوافع وراء الانقلابات العسكرية التي تشهدها عادة دول العالم الثالث ومن ضمنه الشرق الاوسط، ولو ان العرب الذين ينتمون الى ذلك العالم وما تحته، ابتعدوا عن هذا النوع من «السياسة» منذ فترة. فمنها ما يدفع اليه اعتبار العسكريين ان الحكام فاسدون ولا سبيل لتقويم حكمهم واصلاحه ورد اذاه سوى القوة المسلحة، ومنها ما يكون وراءه فكر سياسي ينتمي اليه بعض الضباط ولا يملك الامتداد الشعبي الكافي للتغيير عبر صناديق الاقتراع اذا توافرت، ومنها ما يكون بايحاء من دولة قريبة او بعيدة ذات نفوذ او مصالح تحتاج الى حماية او تعزيز، ومنها ما تكون وراءه مصالح ذاتية ورغبة في الحكم ليس إلا.
وقد عرف لبنان في تاريخه الحديث محاولة انقلابية في عهد الرئيس فؤاد شهاب قام بها ضباط ينتمون الى الحزب «القومي السوري»، وانتهت الى الفشل. وهناك من اعتبر تشكيل حكومة العسكريين في نهاية عهد الرئيس امين الجميل بمثابة «انقلاب» رغم دستوريتها. لكن هذا البلد يعيش اليوم أزمة مسمومة بدأت عملياً منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري وتكرست مع خروج الوزراء الشيعة من الحكومة، وهي أزمة شلت المؤسسات والاقتصاد وحالت دون انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ولا تلوح في الافق اي بوادر حل قريب لها، بسبب من الانقسام السياسي الحاد بين الموالاة والمعارضة وتفشي مناخ عدم الثقة بينهما وتبادل الاتهامات بالتبعية والتفرد.
لكن ما يثير العجب ان الجميع متفق على اختيار قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا. فقد رشحته الاكثرية النيابية ولا تزال ودعت الى تعديل الدستور في مجلس النواب لحماية عهده من اي تشكيك او طعن، وسارعت المعارضة الى تأكيد انه كان مرشحها أصلا ودافعت عن اختياره واشادت بمناقبه وتاريخه. ولقي ترشيح سليمان اشادة فرنسا وترحيب الولايات المتحدة وتأييد سورية ومديح ايران، حتى بدا ان حصول الانتخاب بات مسألة ساعات وانه رهن بمشاورات بسيطة حول كيفية التعديل الدستوري وتفاصيله، الى ان فوجىء اللبنانيون بأن الخلافات بين الفريقين اللبنانيين أكبر بكثير من مجرد انتخاب رئيس، وانها تمتد لتطاول كل تفاصيل السياسة والاقتصاد والاجتماع، وان سيل الشروط والشروط المضادة لا ينتهي، وان ما يعلن غير ما يضمر، وما يقال غير ما يهمس به، وان البيانات والتصريحات تحمل في طياتها اكثر من معنى وتورية. وتأكد لهم ان الازمة مفتوحة وتنتظر ربما ما سيحدث في قمة دمشق العربية في آذار المقبل، وربما استمرت الى القمة التي بعدها، وانهم قد يظلون بلا رئيس ولا مجلس نواب فاعل ولا حكومة مكتملة حتى إشعار آخر.
وأمام هذا الوضع المعقد والمتداخل والمتشابك محليا واقليميا ودوليا، صار ربما من حق اللبنانيين ان يطالبوا بـ «انقلاب عسكري»، طالما ان الاجماع متوافر على قائد الجيش، ليتولى الرئاسة بحكم الامر الواقع متجاوزاً انقسامات السياسيين وعرقلاتهم، فيعيد احياء المؤسسات على أساس متوازن ويشكل حكومة من المستقلين التكنوقراط تكون مهمتها الاساسية طمأنة اللبنانيين الى مستقبلهم عبر التركيز على مشكلاتهم الفعلية وليس المفتعلة.
لكن السؤال الحقيقي هو ماذا سيفعل الجيش عندها بـ «الجيوش» الاخرى الموجودة على ارض لبنان، محلية او اقليمية، وهل ستتركه ينجز مهمة الابتعاد بلبنان عن النزاعات وتبعاتها؟