الرسالة تقرأ من عنوانها
عوني الكعكي
…. أخطأت المعارضة مرتين، الاولى، عندما تعمّدت حرق مراحل الوقت وماطلت وفرضت الشروط التعجيزية، والنتيجة كانت صفراً، وأما الثانية، فهي، قيامها بتفويض الجنرال ميشال عون للنيابة عنها بالتفاوض مع الأكثرية، ما أغلق كل أبواب الحوار..
وكما يقول المثل، “المكتوب يقرأ من عنوانه”، إذ ان مجرّد تكليف الجنرال ميشال عون يعني ان المعارضة تريد الفراغ في سدة الرئاسة، وليست في وارد القبول بأية تسوية، إذ أن الجنرال مسكون بكرسي الرئاسة، وهو لن يرضى بأي طرح إلا اذا كان هو المرشح الوحيد للرئاسة.. والتجربة أساساً معه خير برهان على عبثية الحديث معه، واللبنانيون يعلمون علم اليقين، ومن خلال التجربة، أن لا حل معه مهما كان، ولا حوار ينفع إلا اذا سلم الجميع بأنه المرشح الوحيد، خصوصاً أن الرجل يطرح دائماً شعار “انا أو لا أحد..”.
.. والذكرى تنفع في هذا المجال، إذ عندما أوشكت ولاية الرئيس أمين الجميّل في الثمانينات على الانتهاء، قام بتكليف ميشال عون بتشكيل حكومة انتقالية مهمتها الرئيسية إجراء انتخابات رئاسية، وبدلاً من أن يقوم الجنرال عون بمهمته تحصن بقصر بعبدا رافضاً إجراء الانتخابات الرئاسية، وخاض ما يُسمى بحروب التحرير والالغاء، فدمّر البلاد على رؤوس العباد، وبعدها رفض كل ما نتج عن اتفاق الطائف، وقدمت إليه مغريات بالمشاركة، إلا انه رفضها بالكامل، مصراً على البقاء في قصر بعبدا بحكومته التي لم يبق معه فيها إلا وزيران، وبعد انتخاب الرئيس الياس الهراوي رئيساً للجمهورية قدمت إليه أيضاً عروض بالمشاركة في الحكومة، إلا أنه رفضها كلها، ما حتم اتخاذ القرار بالحسم العسكري، والذي هرب على اثره الى السفارة الفرنسية..
.. هذه التجربة المرّة مع ميشال عون، والتي كلفت البلاد غالياً هي عبرة لمن يعتبر، ولا يمكن تكرارها على الاطلاق مع شخص بمثل هذه العقلية والنوعية، ومع ذلك، فإن الاكثرية النيابية اليوم لم تقفل الأبواب أمام عون، بل إن رئيس تيار المستقبل الشيخ سعد الحريري ذهب الى باريس والتقاه محاولاً ايجاد صيغة معه لحل الازمة السياسية في البلاد، إلا ان الجنرال زاد عناداً، ومع ذلك فإن مشاركته في حكومة العهد الاولى اذا ما انتخب الرئيس مضمونة من الاكثرية، إلا ان الجنرال لا يزال يرفض كل الصيغ المعقولة والمقبولة.
.. اذاً، كل التجارب مع ميشال عون في هذا المعنى محكومة بالفشل، والمعارضة على ما يبدو تدرك هذا الامر جيداً، وهي بتفويضها له حكمت على أي حوار بالفشل، ما يؤكد من دون اي جدل انها لا تريد حلاً، أو انها في أحسن الأحوال تنتظر إشارات من الخارج لتبني على الشيء مقتضاه..
… واستدراكاً، عندما قام مجلس الوزراء مجتمعاً باتخاذ خطوة نوعية باقتراح قانون تعديل الدستور، وخطوة أخرى مهمة بفتح دورة استثنائية لمجلس النواب، فإنما كان يضع مخرجاً مشرفاً للجميع، إلا ان المعارضة قامت بشن هجوم صاعق على الحكومة مستعملة كل مصطلحات الشتائم والسباب، بينما كان من المفترض التجاوب مع مثل هذه الخطوة، وكان على الرئيس نبيه بري ان يجدها حلاً وسطاً، بل لا نغالي في القول: إن ما فعلته الحكومة هو مخرج للرئيس بري من الإحراج، فهو يستطيع القيام بدعوة مجلس النواب للتعديل وللانتخاب من دون القول إنه يقبل بما صدر عن الحكومة، والأغلبية عندها تستطيع حضور جلسات مجلس النواب انطلاقاً من قاعدة ما قررته الحكومة، وهكذا يتم إنجاز الاستحقاق وكل طرف يستند الى موقفه..
هذا مخرج مشرف للجميع، ولكن بكل أسف، فإن المعارضة على ما يبدو لا تزال تصر على اللاحل، وكل المخارج المشرفة لها ولغيرها لن ترضيها على الاطلاق.