زلزال باكستان
راجح الخوري
يشكل اغتيال بنازير بوتو زلزالاً كبيراً لا يهدد الاستقرار النسبي في باكستان وحدها بل قد تصل تردداته او بالاحرى تداعياته الى أمكنة كثيرة في تلك المنطقة المتأججة كما الى العالم ايضاً.
واذا كان الاغتيال الوحشي قد اعدم تقريباً فرص ذهاب باكستان نحو الاستقرار وبداية معالم الديموقراطية، فإن الكلمة الحاسمة ستكون الآن في يد العسكر تكراراً حيث يستطيع برويز مشرف الذي خرج من قيادة الجيش ان يعيد القبضة الحديد للامساك بالوضع، في مواجهة الموجة الارهابية المتصاعدة والمقلقة.
وليس سراً ان ارتفاع منسوب موجة العنف والارهاب فرض في الفترة الاخيرة قيام مساع حثيثة شاركت فيها اميركا، بهدف تشكيل تحالف ثلاثي يضم مشرف وبوتو ونواز شريف في مواجهة المتشدّدين الاسلاميين الذين يشنون حرباً لا هوادة فيها ضد النظام العسكري، وطبعاً هذا كل ما كانت بوتو تعد به او تدعو اليه من الديموقراطية والانفتاح وقد كانا محور خطابها الانتخابي.
انها ابنة ذو الفقار علي بوتو اول رئيس وزراء منتخب في باكستان وقد اعدم عام 1979 بعد اطاحته في انقلاب عسكري. وقد قتل شقيقها في اضطرابات شعبية جرت في باكستان عام 1996 عندما اطلق مجهول النار عليه. ووجد شقيقها الآخر ميتاً في شقته في لندن عام 1985. وهذا يعني ان عائلة بوتو ذهبت شهيدة النضال لدفع باكستان نحو الديموقراطية والانفتاح.
ويأتي الاغتيال الفاجع لهذه السيدة التي كانت رئيسة للوزراء سابقاً، ولعبت دوراً بارزاً في تاريخ باكستان الحديث، في خضم الحملة الانتخابية التي كانت تخوضها استعداداً لاختيار برلمان جديد في الثامن من كانون الثاني المقبل، وليس واضحاً الآن ما اذا كانت هذه الانتخابات ستتم في موعدها، او ما هي الانعكاسات التي ستؤثر على نتائجها بعد هذه الجريمة الكبيرة.
ولقد كانت بوتو هدفاً للارهابيين منذ عودتها الى باكستان بعدما عاشت ثمانية اعوام في المنفى حيث قتل قبل اشهر 139 شخصاً في هجوم انتحاري استهدف موكبها في كراتشي ولكنها نجت يومها.
وقياساً بتصاعد اعمال العنف والتفجيرات الكبيرة التي تشهدها باكستان، يمكن الافتراض ان “العدوى الافغانية” تجتاح باكستان بسرعة تثير هلع الكثيرين.
واذا كانت افغانستان قرضاي تترنح الآن الى درجة ان هناك تحليلات لم تعد تتوانى في الحديث عن امكان عودة “طالبان” الى حكم البلاد، رغم وجود قوات التحالف الغربي هناك، فإن جريمة اغتيال بوتو تدفع باكستان خطوات على طريق الاضطرابات والعنف التصاعدي.
ان باكستان التي تعد 160 مليون نسمة تتألف بنسبة 77 في المئة من السنة و20 في المئة من الشيعة وهذا يعني انها تضم ثاني اكبر عدد من الشيعة بعد ايران اي 35 مليوناً تقريباً.
وفي ضوء بعض الاضطرابات المذهبية التي سبق ان شهدتها افغانستان، وكذلك في ضوء التأجيج المذهبي بين السنة والشيعة في العراق، فإن لفح رياح الفتنة البغيضة قد يصل الى باكستان. وهذا يمكن ان يقرع جرس الانذار في اتجاهات كثيرة وتحديداً في اتجاه ايران التي سبق ان شهدت حدودها مع باكستان سلسلة من الحوادث الامنية المفتعلة. وهو ما يستدعي دائماً المزيد من اليقظة والحكمة لمواجهة المؤامرة الاميركية والصهيونية التي تريد اغراق العالم الاسلامي في الفتن المذهبية الكريهة.
ان الاضطراب في باكستان بعد تصاعد منسوب الفوضى الامنية في افغانستان، يقرع جرس الانذار ايضاً في وجه الهند وحتى الصين، وبالتأكيد في وجه مجموعة دول آسيا الوسطى ودول بحر قزوين.
ان الزلزال الباكستاني الذي اطلقته امس جريمة اغتيال بوتو يمكن ان يهدد التوازنات الهشة في تلك المنطقة التي تسرع الخطى نحو الاضطرابات، وهو بالتالي ما يشكل في مجمله تحدياً كبيراً لاميركا المنغمسة منذ الحادي عشر من ايلول عام 2001 في حرب دون كيشوتية غبية ضد الارهاب، ثبت يوماً بعد يوم انها خدمت الارهابيين اكثر مما الحقت بهم الاضرار او الهزائم.
ان اقصى ما يمكن ان يرتسم في افق تلك المنطقة البائسة هو قيام صراع بلا حدود بين الانظمة العسكرية والتنظيمات الارهابية وكل هذا فوق اشلاء الحديث الاميركي عن الديموقراطية المزعومة.