#adsense

صراع اسلامي – اسلامي… بالمسيحيين!

حجم الخط

صراع اسلامي – اسلامي… بالمسيحيين!

سركيس نعوم 

    

ارتحنا وارتاح اللبنانيون كلهم عندما اظهرت القيادات الشيعية في المعارضة، وفي مقدمها “حزب الله” وحركة “امل”، حكمة كبيرة قبل نحو سنة تجلت في عدم انزلاقها الى فتنة مذهبية مع السنة بسبب ما حصل من صدامات واعمال عنف في الخامس والعشرين من كانون الثاني الماضي. وارتحنا وارتاح اللبنانيون كلهم عندما اظهرت القيادات السنية في الموالاة وفي مقدمها تيار “المستقبل” الحكمة نفسها. وارتحنا وارتاح اللبنانيون عندما ثبت بالدليل القاطع ان الدولتين الاسلاميتين الكبيرتين المعنيتين بلبنان اي المملكة العربية السعودية السنية والجمهورية الاسلامية الايرانية الشيعية، شجعتا حلفاءهما اللبنانيين على ممارسة الحكمة بل نفض الغبار عنها وتغليبها على كل مشاعر التحدي والانفعال وكل المواقف الاخرى المحلية والاقليمية التي كانت تسعى الى الفتنة بين المسلمين، ثم بين اللبنانيين، لأسباب لم تعد خافية على احد. ولا نزال مرتاحين، وكذلك اللبنانيون، لان قرار منع هذه الفتنة لا يزال ساري المفعول سواء في الداخل او في الخارج، لكن القلق بدأ يعاود الجميع اولا لأن بعض القوى الخارجية المتنوعة لا يبدو راضيا عما انتجته الحكمة الشيعية – السنية اللبنانية والحكمة السعودية – الايرانية ولذلك فانه يحاول بمواقفه واتصالاته مع حلفائه تأجيج الاجواء السياسية المحتقنة اصلا غير عابىء بما قد يسفر عنه ذلك من اضطرابات وفوضى وفتن. وثانيا، وهذا هو الاهم، لأن النيات لا تزال غير صافية لدى القيادات الشيعية والسنية رغم تمسكها برفض الفتنة المذهبية والاقتتال. فالاولى لا تزال عازمة على تسجيل انتصار على الثانية تسميه هي انتصارا سياسيا اي انتصارا لخيار سياسي وطني قومي اسلامي وليس مذهبيا. والثانية لا تزال عازمة على بذل كل ما تستطيع من جهود واستخدام كل ما لديها من امكانات لمنع الانتصار المذكور وربما لتحقيق انتصار على الاولى. وهي تقول ان السيادة والاستقلال ورفض عودة الوصاية والمحافظة على اتفاق الطائف ورفض طغيان فئة لبنانية على فئة لبنانية اخرى، هي الهدف الفعلي لمعركتها وليس الانتصار على الشيعة.


هل للقلق المذكور ما يبرره؟ وكيف تستطيع القيادات الشيعية والسنية ترجمة نياتها غير الصافية المفصلة اعلاه اذا كان عدم الصدام في الشارع لا يزال قرارها الذاتي المدعوم من حلفائها في المنطقة سنة كانوا ام شيعة؟


وما تخشاه مصادر لبنانية مطلعة ومحايدة  هو ان يكون الفريقان الاسلاميان يخوضان منذ كانون الثاني الماضي حربهما المذهبية ذات الغطاءات المتنوعة على نحو غير مباشر اي بواسطة الافرقاء المسيحيين الذين ينتمون الى المعارضة والى الموالاة. وما تخشاه ايضا هو ان تتصاعد حدة الحرب غير المباشرة هذه بحيث لا تبقى سياسية فتتحول صداماً في الشارع شعاراته قد تكون وطنية وقد تكون مسيحية لكن اهدافه الفعلية قد تكون شطب مسيحيي المعارضة مسيحيي الموالاة من المعادلة الامر الذي يحصر تمثيل المسيحيين في فريق واحد يجيره، علما انه جيّر تمثيله الواسع من زمان، لحلفائه في المعارضة وفي مقدمهم “حزب الله” فيختل ميزان القوى بين الفريقين. وطبعا لا بد ان يكون الاختلال في مصلحة المعارضة.


كما قد تكون اهدافه اصرار مسيحيي الموالاة على المواجهة والرفض ومنع انتصار مسيحيي المعارضة وراعيهم. والنجاح في ذلك يعني حربا اهلية مسيحية قد تتحول لاحقا اسلامية – اسلامية. لكن نتيجتها اياً يكن الرابح فيها ستكون وقوع مسيحيي لبنان في الخسارة النهائية التي لا بد ان تترجم في السنوات المقبلة وبأسرع مما يظن كثيرون تراجعا في الدور والمسؤولية والحقوق والمواطنية والحضور السياسي وتدريجا الحضور “الجسدي” اذا جاز التعبير على هذا النحو.


وهذا الكلام ليس تهويلاً ولا “تهبيط حيطان” كما يقال، تؤكد المصادر المحايدة والمطلعة نفسها. فهناك فريق مسيحي كبير مهم دأب منذ اكثر من سنة على تشجيع بل على تحريض حلفائه في المعارضة على استعمال الشارع. وهناك فريق مسيحي مهم بدأ منذ كانون الثاني الماضي يتحسب لمواجهة من هذا النوع. والجديد اليوم ان الفريق الاول “محرج” للنزول الى الشارع وخصوصا بعد تلقيه من حلفائه العدة اللازمة وبكمية مهمة. والجديد ايضا ان هؤلاء الحلفاء يبدون واثقين من انتصار حليفهم المسيحي في الشارع لذلك فانهم يغضون الطرف عن تحركه او ربما يشجعونه. والجديد اخيرا ان الحلفاء انفسهم اطلعهم من يعرف كثيرا في الدولة وفي البلاد على معلوماته عن ميزان القوى في الشارع المسيحي لجهة الصراعات وهي تكاد تؤكد ان مسيحيي المعارضة على انتشار شعبيتهم لا يزالون غير مؤهلين لربح صدام شارعي واسع. طبعا فوجئ الحلفاء بذلك وسألوا مراجع اخرى عليمة فأكدت لهم هذا الامر.


هل يؤدي كل ذلك الى مراجعة الفريقين السني والشيعي، اي الموالاة والمعارضة، كونهما زعيمين لها ومسيحيي كل منهما الحسابات والى تقويم جديد للاوضاع يؤديان الى توسع “الحكمة” التي تحدثنا عنها  لتشمل قيادات المسيحيين عند الطرفين والى تثبيتها مجددا عند مسلميها وخصوصا من حليفيهما السعودي والايراني؟ ام تستمر محاولات التوريط ومحاولات الانتصار وإن عقيمة؟ لا احد يملك جوابا عن ذلك. لكن اللبنانيين خائفون من حاجة الخارج او بعضه الى “حرب” ما في لبنان حماية لمواقعه في الصراعين الاقليمي – الاقليمي والاقليمي – الدولي الدائرين في المنطقة والمستوليين على لبنان باعتباره ساحة مثالية للصراع. وخائفون ايضاً من رعونة البعض في الداخل ومن خطأ حسابات البعض الآخر والاثنان ظهرا اكثر من مرة منذ نحو سنة على الاقل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل