الفراغ اللبناني والاستقطاب المذهبي
وليد شقير
وليد شقير
يتجه لبنان الى الجمود في أزمته السياسية، ولا يرى المعنيون بالمشهد اللبناني المثير للحزن ضوءاً في الأفق. بل أن هؤلاء المعنيين يتبارون في الحديث عن عدم قدرتهم على رؤية أي أمل في الخروج من الفراغ الرئاسي، حتى أن أحد كبار رجال الدين الواسعي الاتصالات، قال انه لا يعرف كيف يمكن للأزمة أن تنتهي، «ولم أجد أحداً يعرف».
وإذا كان الانتظار هو الذي سيغلب على أيام اللبنانيين وأسابيعهم المقبلة، فإن الفراغ لا ينتظر، ولا بد من أن يملأه أحد ما، أو شيء ما. وإذ تسعى حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الى ملء الفراغ بمجموعة من الإجراءات الدستورية والقانونية التي ينص عليها الدستور اللبناني، من أجل تمهيد الطريق القانوني لانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، ومن أجل تسيير ما يمكن من عجلة الدولة والإدارة بغياب المسؤول الأول في الجمهورية، فإن الحكومة تتعرض لحملة قل نظيرها بفعل إحالتها مشروع قانون تعديل الدستور ومرسوم فتح دورة استثنائية للمجلس النيابي وهما إجراءان لا مناص منهما إذا سمحت الأيام المقبلة بالتوافق بين الأكثرية والمعارضة على إنهاء الفراغ.
ان سعي السنيورة الى ملء الفراغ بإجراءات تحض على انتخاب الرئيس الجديد، مقابل سعي المعارضة الى ملء جزء من الفراغ بالحملات التخوينية للحكومة ولقادة الأكثرية والتهديد بمحاكمتهم بعد نعتهم بشتى النعوت، يثير الأسئلة عما ستكون عليه الحال من الآن حتى آذار (مارس) المقبل إذا صحت التوقعات بأن لبنان سيبقى بلا رئيس حتى الدورة العادية المقبلة للمجلس النيابي وحتى عقد القمة العربية المقررة في دمشق في الشهر نفسه.
وإذا صح التقدير القائل ان دمشق تمسك من طريق حلفائها بالرئاسة رهينة للضغط من أجل مزيد من الانفتاح العربي وخصوصاً السعودي، والدولي وخصوصاً الأميركي، عليها، وأن المعارضة تضطر للتصدي بالصوت القوي والتهديد والوعيد في مواجهة محاولة الأكثرية «إفساد» هذه الورقة بيدها وبيد دمشق لأن قوى 14 آذار تسعى الى الدفع للتعديل بملء الفراغ، فإن الاشتباك السياسي بين الجانبين سيكون الشيء الوحيد الذي يملأ الفراغ في هذه الحال… بالفوضى السياسية، مع كل مخاطرها على الحد الأدنى من الاستقرار. فلا المملكة العربية السعودية تبدو في وارد الانفتاح على دمشق قبل إنجاز انتخابات الرئاسة في لبنان، ولا إدارة الرئيس جورج بوش قابلة لرفع مستوى اتصالاتها بدمشق عن تلك اللقاءات الظرفية التي تحصل بين وزيري خارجية البلدين على هامش اللقاءات التي تعقد في شأن العراق. ولم يقصر رئيس البرلمان نبيه بري في تذكير الساعين الى التوسط بين المعارضة والأكثرية بأن عليهم التحرك على خط «سين – سين» أي السعودية وسورية لعل ذلك يفتح ثغرة للحلول.
ان اضطرار المعارضة في لبنان، الى التناغم مع حاجة دمشق الى إبقاء الفراغ الرئاسي ورقة بيدها، عبر التصعيد الاستثنائي في لهجة التخاطب مع الأكثرية وعبر التناوب تارة على كيل الاتهامات لزعيم تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري وأخرى للسنيورة، ينشئ حالة عصبية في الوضع الداخلي اللبناني، إذا استمر الفراغ أشهراً. فهذا الصراخ يزيد استنفار جمهور المعارضة وعصبيته من جهة، ويشحن جمهور الحريري والسنيورة ويستنفر عصبيته أكثر فأكثر من جهة ثانية. كما ان اعتماد تكتيك تحريض المسيحيين على تولي الحكومة ورئيسها صلاحيات الرئاسة، من طريق زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون، يعطي المفعول نفسه على صعيد جمهور الجانبين. ويصبح الضغط من أجل تحريك معادلة «سين – سين» وسيلة لتأجيج المشاعر المذهبية السنّية – الشيعية من دون طائل فيصبح لبنان أمام مشكلة «سين – شين». هل هذا ما يريد بعض القادة ملء الفراغ به في الأشهر المقبلة؟ هذا أخطر ما يقود اليه استمرار الفراغ الرئاسي المفتعل بشتى الحجج التي تزيد الاستقطاب المذهبي.