#adsense

الكارثة وما بعدها !

حجم الخط

الكارثة وما بعدها !

راجح الخوري 

  

من سبت الى سبت، يتسع مدى الفراغ الذي تقع فيه رئاسة الجمهورية واستطراداً أهل هذا البلد البائس بما فيه من القبائل والجاهليات. وكذلك تتسع الهوة بين الاكثرية والمعارضة التي ينكبّ كثيرون من الداخل والخارج على حفرها وتعميقها، بحيث تشكل في النهاية تبريراً للدولة والوطن.


اذاً “يفوت” اليوم السبت كما “فات” غيره من دون ان يتمكن مجلس النواب [نواب من؟] من عقد جلسة او انتخاب رئيس ولان الوقت هو ايضا مثل الحرامي، وما اكثر “الحراميي” في لبنان، فان الاسابيع واقفة عند الباب وكذلك الاشهر والفصول ويمكن ان نصل في بساطة الى سنة 2009 موعد الانتخابات النيابية ونحن غارقون في الفراغ، هذا اذا كنا سعداء الحظ!
ولكن لا الاوضاع الاقتصادية تسمح بهذا، ولا الضرورات الوطنية والسياسية، اما الذين يعملون في المقاولات التخريبية ومتعهدو اثارة الفتن والاضطرابات الامنية فليس عندهم هذا الصبر وهم مستعجلون لدفع اللبنانيين الى تحويل العصفورية الراهنة ساحة قتال متجدد للمجانين وما اكثر هؤلاء ايضا.


ومن الواضح والمفهوم ان الازمة المتطاولة سطَّحت التفكير وبلَّدت العقول واسقطت الاحاسيس وخدّرت باليأس والقنوط اندفاعة اللبنانيين في توقهم الى وطن حر وسيد ومستقل. لذلك فاننا الآن في وضع كارثي من التجمد والفراغ وعدم الاعتراض العام كي لا نقول “الثورة الشعبية” ضد الوأد المقسط بـ”انتفاضة الاستقلال”.
نعم انه وضع كارثي وبامتياز:


? اولاً: لأن رئاسة الجمهورية نهب للفراغ، والمنصب المسيحي الاول في الدولة في موقع “الرهينة”، وقد قبضت عليه المعارضة ولن تفك اسره الاّ متى حصلت على شروطها:


حكومة الثلث المعطل والتعيينات والمسار السياسي للدولة. وان مجرد حصولها على كل هذا وبالشروط المعروفة يعني تعرية العماد ميشال سليمان مرشح الاجماع للرئاسة من صلاحياته قبل انتخابه. ويعني ايضا عرقلة دوره بعد وصوله، ربما لأنه يراد له ان يكون نسخة كربونية عن اميل لحود والاّ فإن المعارضة لن تدعه يصل الى قصر بعبدا.
والمثير ان المعارضة التي بنت هذه المطالب التي تمثل استسلاما كاملاً للاكثرية، وضعت الامور عند العماد ميشال عون كمفاوض، في اطار مناورة ذكية هدفها في النهاية القول ان المسيحيين هم الذين يغرقون الرئاسة في الفراغ عبر خلافاتهم!


? ثانيا: ان مجلس النواب بدوره يسبح في الفراغ ويضيع في الاجتهادات الدستورية الاستنسابية، وهو يراوح في موقع الرهينة تماماً مثل الرئاسة. ولن يطلق سراحه الاّ بعد خضوع الاكثرية او استسلامها ليس من الاجتهادات السياسية الواضحة التي تقيّد على ذمة الدستور، والدستور منها براء.


وليس خافيا على أحد في نهاية الامر أن مفاتيح البرلمان التي وصل اليها الصدأ بالتأكيد معلّقة في خزنة الشروط التعجيزية التي تتمسك بها المعارضة. وقد أضيفت اليها الآن مفاتيح المقام الرئاسي، في وقت ترتفع وشوشات كثيرة:
أولا عن ضرورة اعادة النظر في “دستور المناصفة” على أساس المثالثة، حيث لن يُبقي خلاف المسيحيين لهم مجالا للحس اصبعهم في هذه الدولة السعيدة. وثانيا في وقت يتناهى همس عميق بأن اقتراح انتخاب الرئيس من الشعب سيفتح في النهاية بابا شرعيا على امكان ألا يكون الرئيس مارونيا بالضرورة التي ينص عليها الدستور، ذلك الدستور الذي يتعمد كثيرون جعله مجرد خرقة بالية تستدعي اعادة النظر!


? ثالثا، ان الحكومة التي يقال انها بتراء وغير شرعية او دستورية او ميثاقية، هي آخر العناصر التي تتكون منها سلطة الدولة. انها السلطة التنفيذية التي تجد نفسها منذ أكثر من سنة مطالبة بالاستقالة ومتهمة بأبشع التهم.


ان استمرار الضغط على الحكومة يأتي ايضا في سياق دفع الاكثرية الى الاستسلام واعادة الامور الى ما كانت سابقا. ولكن القرارات التي اتخذتها في الايام الاخيرة أثارت ردات فعل من المعارضين كانت لافتة في تراجع حدتها وهو ما دفع البعض الى الافتراض ان المعارضة تفضل بقاء “حكومة بتراء” تتعرض للجَلد اليومي بما يبقيها رهينة الاتهامات ورهينة الحرص على الاكتفاء بتصريف شؤون الادارات، وهذا عند المعارضين وضع أفضل من انتخاب رئيس جديد له قوة العماد سليمان النابعة من الاجماع عليه لبنانيا وعربيا ودوليا ومن دوره الوطني المميز في قيادة الجيش.


هذا الوضع أفضل لانه يدفع لبنان أكثر نحو الفراغ والفوضى وخصوصا بعدما تبخر الاميركيون وذاب ثلج أنابوليس وغيرها لتظهر “مروج” كلامهم المضحك – المبكي وآخره كلام جورج بوش. وكذلك بعدما تحول الفرنسيون من وسطاء الى مجرد سعاة بريد يحملون الاقتراحات المرة الى بيروت ويتلذذون بأكل البرازق الحلو في دمشق… وبعدما صارت الجامعة العربية من أهل “قفا نبك” طبعا.
ماذا يبقى؟
يبقى جنون القبائل اللبنانية المتصارعة فوق هوة صارت كافية لابتلاع لبنان من الناقورة الى النهر الكبير.
اذاً عافاكم الله جميعا في ربوع العصفورية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل