#adsense

لبنانان لا لبنان واحد !

حجم الخط

لبنانان لا لبنان واحد !

علي حماده  

 

في الايام الاخيرة من السنة 2007 نعود الى بعض الاساسيات:
ان الازمة الحالية ليست أزمة مشاركة وطنية، ولا هي معركة يخوضها بعضهم لتحصيل حقوق “هضمتها” مرحلة الوصاية، و لا هي أزمة بسيطة تدور على التوازن في أروقة السلطة في مجلس الوزراء. و بالطبع ليست أزمة رئاسية…


ان الازمة في لبنان هي الانعكاس الأوضح لصدام بين مشروعين في البلاد: الاول مشروع يقدم القيم اللبنانية القائمة على الديموقراطية نظاما، و التعددية صيغة، والحرية معنى، و المساواة اساسا لبقاء الكيان، و الانفتاح سلوكا. أما المشروع الآخر فمشروع تحويل لبنان موقعا متقدما في منظومة أهداف نظام سياسي ايديولوجي مقاتل في المنطقة، وقوده لبنانيون يؤمل ان يجري تحويلهم جحافل مرصوصة منزوعة القدرة على النقد والمراجعة ما دامت مطواعة باسم الدين والطاعة العمياء التي يفترضها الانتماء هذا.


 ولذلك عندما يرى هذا البعض المشار اليه من اللبنانيين البلاد تحترق، او الفقر يعم، او الآخر في الوطن مستاء بل غاضبا، فإنه لا يأبه لأن المساحة المشتركة بينه وبين الآخر تضاءلت الى حد صار فيه خراب تلك المساحة التي كانت تجمع في ما مضى هامشيا بالنسبة اليه، و بالتالي لا يؤثر في دورة حياته الممسوكة من المهد الى اللحد، و هذه من مهمات النظام العقائدي المقفل بإحكام بحيث لا يعبر الهواء بين انسانين يعيشان على ارض واحدة لا تتجاوز مساحتها مساحة دائرة في مدينة كبرى كالقاهرة او لندن او باريس.


رحم الله الرئيس صائب سلام الذي كان يردد شعاره الشهير ” لبنان واحد لا لبنانين”. ففي تلك الحقبة كان يمكن ان يصح شعار كهذا. وحتى في أحلك مراحل الحرب اللبنانية بين 1976 و1990 كان يمكن البحث وبنجاح عن الكثير الذي يجمع بين اللبنانيين ولا يفرق بينهم. و لكن الصورة اليوم مختلفة تماما. و اذا كان المشروع الايديولوجي المنافي لمبدأ وجود لبنان نفسه ينجح حتى الآن في استعارة أقنعة من التنوع اللبناني بعضها هامشي للغاية بفعل استتباعه لمنظومة مخابراتية، و بعضها الآخر اقل هامشية لكنه بالتأكيد أقل فهما لحقيقة التدمير المنهجي الذي يتعرض له لبنان بكيانه الراهن، فإن الناظر بعين فاحصة لا بد من ان يتلمس مآل ما سيجري بعد 10 سنين او 20 سنة عندما تكون اكتملت الدائرة على الجميع في البلاد واحدا تلو الآخر. فمن يعلل النفس اليوم بغباء منقطع النظير بقدرته على التأثير في الاحداث و القرارات الكبرى، عليه ان يتوقع بعد وقت ليس ببعيد مرحلة لن يعود فيها بقادر على التحلل من الارتباط الحالي الذي سيصير استتباعا كاملا على جميع المستويات!


حتى الآن قيل إن نقيض لبنان الاستقلال هو النظام المقيم في دمشق. و ذهب بعضهم الى القول ان دمشق بصرف النظر عن النظام القائم فيها تمثل الخطر الدائم على الاستقلال اللبناني، وعلى الكيان نفسه. و لكن ما يثير فينا الحزن و الغضب في آن واحد هو أن يخرج نقيض لبنان الكيان ايضا من رحم لبنان نفسه ليمعن في تدميره يوما بعد يوم. والاصعب هنا ان المعركة من أجل لبنان الاستقلال، لا بل أكثر من أجل لبنان الكيان والمعنى التاريخي انما تدور في العمق مع جزء من الذات! أما الاكثر صعوبة ومدعاة الى الحزن فهو ادراكنا ان معركة الكيان ستستعر أكثر فأكثر.


ان الحديث عن السلطة وتقاسمها ممل، مثلما هو الحديث عن لبنان الواحد. فلا لبنان الواحد بوجود مشروع لم يكف يوما عن تدميره، ومحاولة تدمير منظومة قيمه.


انها معركة الكيان، وهي صراع مع نظام قيم اعتاد ان ينزع اللحم عن أجساد أبنائه لينمو بلحمهم ودمهم ! و لمن لا يصدقون نقول: انتظروا تروا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل