عاش التفاهم السياسي على حساب التفاهة والسفاهة؟!
الفرد نوار
نفى النائب العوني ابراهيم كنعان ان يكون قد شكّك في قدرات قائد الجيش العماد ميشال سليمان، عندما قال ان «مقوّمات الرجل لا تكفي وحدها إن لم يعزّزها تفاهم سياسي». والمقصود في كلام كنعان قريب من زلاّت اللسان التي تفضح خفايا النفوس الضعيفة، خصوصاً انه سبق لهذا النائب ولغيره من النواب العونيين الغارقين في تبعيّتهم السياسية، أن شكّكوا بالمؤسسة العسكرية، وهم الذين لم يتوانوا عن التشكيك بدور بكركي الوطني!
أما لبّ المشكلة بالنسبة لجماعة التيار الوطني فيكمن في عدم قدرتهم على التعبير بحرية عمّا يرغبونه، بقدر اضطرارهم لأن يقولوا ما يرضي «مربض خيلهم» في الرابية، حيث العيون مفتحة وهكذا الآذان على كل ما يُقال مما هو خارج المألوف السياسي، كي لا يصيبهم ما أصاب بعض زملائهم من شتم وإهانة مباشرة في اجتماعات ولقاءات موسّعة، كدليل على أن من جاء بهم نواباً قادر على ان يلغي نيابتهم بشطحة قلم!
مسكين التفاهم السياسي الذي يتذرّع به البعض لاقفال مجلس النواب ومنع عقد جلساته. ومسكين التفاهم السياسي الذي طبع مرحلة ما قبل انسحاب الوزراء الشيعة من الحكومة وما بعده. ومسكين التفاهم السياسي الذي ادّى تلقائياً الى اعتصام الوسط التجاري ونصب الخيام وشلّ الحركة الاقتصادية – التجارية. ومسكين التفاهم السياسي الذي كاد يشعل البلد يومي 23 و25 كانون الثاني الفائت «لأن هناك مَن كان يريد ان يجرّب حظه بشلّ البلد بقوة الحديد والنار والدمار».
ومسكين التفاهم السياسي الذي جعل من الرئيس اميل لحود «خيال صحرا» جرّاء انسياقه وراء مصالح لا علاقة لها بالوطن والمواطن. ومسكين التفاهم السياسي الذي بلغ ذروته بفتح البعض دولة ضمن الدولة بعدما تلقّى اوامر مهمة وعمل بموجبها «احتراماً لتحالفاته»!
ومسكين التفاهم السياسي الذي ربط كل شيء في البلد بذنب «معتوه سياسة» لم يعد يتصوّر نفسه أقل من آلهة كاملة المواصفات، مع العلم ان المشار اليه تمكّن في ليلة ليلاء من اختراع مجموعة أكاذيب أمّنت له القدرة الشعبية على التحرّك ولو الى حين!
ومسكين قصر بعبدا الذي كان يتوقّع رئيساً بحجم المرحلة ثم فوجئ بـ«رئيس فراغ» يُلبّي طموحات الفريسيين وكتبة الهيكل وباعة المناصب والأوهام مقابل مبالغ ونقد نادر يكفل تغطية المصاريف ويؤمّن استمرار سدّ الأفواه ومنع التفكير كما يحول دون وضوح الرؤية!
ومسكين رئيس الحكومة المنكوب بطلائع كذبة ودجّالين يُصرّون على تحميله لقب فخامة الرئيس، فيما يمنعون مجلس النواب من الانعقاد كما يحوّلون البلد إلى «خان سباب وشتائم وتُهم يغرفونها من تحت نعال صغار العملاء النكرة ليغطّوا بها مساوئهم وأغراضهم الدنيئة!
مسكين لبنان في معاناته مع أقزام في السياسة وأقزام في الأخلاق والوطنية وأقزام في التفكير والتصرّف، حيث لا يُعقل أن يتوقّع احد من هؤلاء عملاً بحجم طموح المواطن وبحجم ضرورات المرحلة!
أمام هذا التكرار المملّ في طرح مطالب المعارضة، يبقى هناك مَن يعتقد أن بوسعه منع انتخاب رئيس جمهورية بذريعة عدم توافر التفاهم السياسي. كذلك يبقى هناك مَن يظنّ أنه قادر على منع مجلس النواب من الانعقاد طالما انه لم يقبض سعراً مناسباً للتفاهم السياسي الذي يطرحه كعنوان سخيف وسطحي لهذه المرحلة الصعبة في كل شيء.
اما اولئك الذين تستفزّهم الحكومة بقراراتها وتصرّفاتها ومواقفها، فلا يتوانون عن القول ان «السنيورة يعتدي على صلاحيات رئيس الجمهورية»، ربما لاعتقادهم انه كان عليه ان يترك لهم السراي الحكومي، علّهم يفجّرون فيها عواطفهم وصيحات بطولاتهم الجوفاء.
في كلام قديم – جديد للنائب ميشال عون أنه يصرّ على الاتفاق معه على «مخرج سياسي توافقي» من النوع الذي يكفل تحقيق مضمون ما في جيبه وهو كلام شبيه بما قاله نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم عندما شدّد على ان «لا حلّ من دون الأخذ بالسلّة المطلبية المتكاملة للمعارضة».
في النتيجة لا بُدّ من الاعتراف للمعارضة بأنها قوة سياسية – شعبية قادرة على شلّ البلد، بدليل أن التفاهم السياسي الذي تتطلّع اليه مرهون بمزاجية القبول بما يطرح عليها، فيما يؤكد الواقع ان «تعليمات الخارج تُنفّذ بحذافيرها»، ومن دون حاجة الى اتهامات واختراع بطولات وحروب طواحين هواء، ليس لأن مصلحة الموارنة في الدق، بل لأن مصالح مَن يتولّى زمام امور قوى 8 آذار يتطلّع الى حسابات محلية واقليمية مختلفة عن كل ما هو سائد؟!
عاش التفاهم السياسي.. ولو على دماء الشهداء وعلى حساب سمعة البلد ومصير شعبه؟!