في بعض الأساسيات أيضاً !
علي حماده
… في بعض أساسيات الأزمة الحالية التي لا سابق لها انها تطرح بقوة مصير فكرة العيش المشترك بين اللبنانيين. فافتراض ان اللبنانيين مجمعون على اكمال المسيرة الوطنية المشتركة ضمن الشروط الجديدة التي اقحمها احد الشركاء بقوة اجندته الخارجية من ناحية، ومن ناحية اخرى بنسفه التوازن الحساس للغاية بتسلحه حتى الاسنان، هو افتراض خاطئ، لا بل انه يجافي حقيقة بتنا نلحظها في اوساط طائفية متنوعة ترفض الصدام الاهلي، ولكنها بكل ما اوتيت من قوة ترفض الانصياع الى المعادلة الجديدة التي يسعى فريق سياسي ممتلئ ايديولوجية، ومالا، وسلاحا الى فرضها على جميع مكونات البلاد. ولا يغير شيئا في موقف غالبية اللبنانيين معرفتهم المسبقة بوجود فئة واسعة ولكن صامتة واقعة تحت سيطرة ذلك الفريق، وربما تحت تهديد ارهابه النفسي والمعنوي والسياسي والاقتصادي والامني. فالتغيير في الوسط المعني ليس من مهمات الشركاء الآخرين. ولا يجوز ان يقع على عاتق بقية اللبنانيين.
وبالعودة الى فكرة العيش المشترك، لا نذيع سرا ان نحن قلنا ان مزيدا من اللبنانيين من مختلف الفئات، بمن فيهم اهل الاقتصاد المفترضون “وحدويين اصوليين” يتناولون المسألة مستندين في ذلك في شعور عميق بالعجز عن تصور استمرار المسيرة الوطنية المشتركة بشكلها الراهن في ظل توالد الازمات الكيانية التي يفاقمها التدخل الخارجي على اختلافه. فنظام الطوائف في اساسه مولد للازمات الوطنية ما لم يصل شركاء البناء الطائفي المتعدد الى صيغة جريئة وتاريخية قادرة على صنع السلم الاهلي ورعايته تحت عنوان قيام حياد لبناني في المنطقة. واذا كان بعض الجهات السياسية قد دعا اخيراً الى قيام ديموقراطية على مستويين، الاول طائفي، والثاني وطني، فإن هذا معناه، وبصرف النظر عن الجهة الطارحة للفكرة ومدى مسؤوليتها عن الأزمة الراهنة، ان ثمة من يحاول ان يفكر في صيغ جديدة في البلاد تذهب نحو التوسع في فكرة اللامركزية الى ملامسة فكرة الفيديرالية. وقد يكون لقيام دولة “حزب ولاية الفقيه” في لبنان بجانب الدولة اللبنانية الشرعية الدور الاكبر في دفع اللبنانيين الآخرين الى التفكير مليا بمصير العيش المشترك، والى تغيير نظرتهم الى الشريك الذي ذهب بعيدا، لا بل بعيدا جدا في انسلاخه عن القواعد الاساسية التي ترعى قيام الدول، وتبقي على الاوطان موحدة. واول القواعد المُمتهَنة هنا قاعدة المساواة امام القانون، والتساوي في التخلي عن وسائل ممارسة العنف لأي سبب. فإذا كان من امر يؤثر في ميثاق العيش المشترك مثل غياب طائفة كبيرة عن السلطة التنفيذية في معزل عن الاسباب، فإن النقيض الامضى والاخطر لميثاق العيش المشترك يبقى في امتلاك جزء من المجتمع سلاحا، واقامته، مثلما هو حاصل راهنا، دائرة اجتماعية مغلقة يتعمق انغلاقها يوما بعد يوم عن الاجتماع اللبناني الاوسع. وهذا اصعب ما في الامر، خصوصا اذا ما قامت تلك الدائرة المقفلة والمنغلقة على “ابلسة” الكيان، والنظام، والتعددية بمعناها العملي، وفكرة السلام. فتذهب بعيدا في سعيها الى تدمير فكرة مشروع الدولة رافضة الاحتكام الى القانون او الى المؤسسات، على اعتبار انها تؤمن بشرعيتها الخاصة، وتستهدف تقويض الشرعية الوطنية الاعم. ولعل اكثر مظاهر الخطر الذي تمثله هذه الظاهرة اقامتها دورة حياة كاملة خاصة بها، واقامتها جيشها الخاص، وأمنها الخاص، والاهم الاهم تنفيذها مشروعا تغييريا على المستوى الديموغرافي لم يعد سرا بعد الكشف عن حملة مخيفة لشراء اراض واسعة في مناطق حساسة جغرافيا، ديموغرافيا، وطائفيا مثل جزين والبقاع الغربي، وضواحي بيروت.
اننا لا نتوخى من ذلك كله الاضاءة على خطر مشروع “حزب ولاية الفقيه” بمقدار ما نعتبر ان هذا المشروع الذي لا سابق له في تاريخ لبنان الحديث، سيؤدي حكما الى طرح مصير العيش المشترك في البلاد. ولا نقصد هنا حياة الشيعة مع بقية الطوائف والعكس، وانما حياة جميع الطوائف في ما بينها وبين بعضها البعض، والامر مطروح حقيقة.
انه من المؤسف حقا ان نكون في صدد اضاعة الفرصة نهائيا بقيام لبنان واحد. واذا كنا البارحة تحدثنا عن لبنانين لا عن لبنان واحد، فإني متخوف بعدما فاجأني صديق وهو رجل اعمال كبير ومعروف يقيم بين الولايات المتحدة واوروبا ولبنان، بقوله لي لا لبنان واحدا ولا لبنانين، وانما ثلاثة لبنانات! وبعضهم يذهب ابعد.