أين (دينامية) التسوية من (دينامية) الأزمة؟
رفيق خوري
التسليم باستمرار الفراغ الرئاسي ليس مجرد عجز عن التوافق على تسوية للأزمة. فالتوافق حاصل، نظرياً، على ترشيح العماد ميشال سليمان للرئاسة. وانتخابه ممكن عملياً اليوم قبل الغد بناء على المادة 74 من الدستور، إذا أخذنا باجتهاد سقوط المهل الذي تبنّاه الرئيس نبيه بري. والتوافق على مبدأ انطلاق العهد العتيد من حكومة وفاق وطني كما على إحياء المجلس الدستوري وصوغ قانون عادل للانتخابات ليس مهمة صعبة، إذا كان المفهوم الطبيعي للمشاركة في السلطة هو تجسيد الشراكة الوطنية في إنقاذ لبنان وبناء مشروع الدولة. لكن الواقع ليس كذلك. فالتوافق على الرئيس مشروط بما يجعل الرئاسة (طربوشاً) لعدد من الرؤوس القيادية التي تتحكم بالقرار، إن لم يكن أسير الشكوك واللاثقة. واجتهاد سقوط المهل الذي يسلّم به الجميع حسب المادة 74 لا يلغي في نظر البعض كل الشروط التي تفرضها على المرشح المؤهل المادة 49 من الدستور، ولا يعفي من تعديل الدستور. والتوافق على الحاجة الى حكومة وفاق وطني يصطدم بالرغبة في أن تكون الحكومة مجموعة (بلوكات) مقفلة وجعل (الفيتو) ولعبة الأرقام عنوان المشاركة. فضلاً عن أن هناك مَن يسأل إن كان (الثلث المعطل) هو العقبة الحقيقية أمام انتخاب الرئيس أم ان العقبات أكبر. لا بل إن كانت المعارضة ستأخذه وتبقى معارضة داخل الحكومة أم ان قوة الأشياء تفرض بعد الانتخاب إعادة خلط الأوراق وتوزيعها. وكل هذا في الجانب المحلي من المشهد. أما في الجانب الإقليمي والدولي، فإن أزمة الرئاسة هي مجرد أداة في صراع أكبر أو وسيلة لتحقيق أهداف تتجاوز موقع لبنان وسياساته والأدوار فيه. وما دامت أزمة الرئاسة مرتبطة بأزمات وصراعات إقليمية ودولية وهواجس لدى أطراف عدة، فإن من الوهم التصرف كأن الفراغ الرئاسي ليس جزءاً من مخططات مشغولة بدهاء ودم بارد.
ذلك ان (دينامية) الأزمة أقوى من (دينامية) التسوية. لا في لبنان وحده بل في المنطقة الممتدة من المتوسط الى أفغانستان. فالتسويات، برغم الحاجة اليها، تتحرك ببطء وتتعثر. والأزمات تندفع بقوة نحو العنف، سواء في الصراع العربي – الاسرائيلي أو في العراق والباكستان وأفغانستان. وما يعرفه اللبنانيون ويدفعون ثمنه باللحم الحي، هو أن استمرار الأزمة ليس مجرد المزيد من الشيء نفسه. فالفراغ الرئاسي يقود حتماً الى التصعيد من فصل خطر الى فصل أخطر. والأزمة الوطنية والسياسية التي قادت الى الفراغ مرشحة للتصاعد وتوليد أزمات إضافية.
ولا مهرب من التسوية، إذا كنا نريد بقاء الوطن والنظام. ولا أحد يجهل أن ثمن التسوية اليوم أقل من ثمنها غداً.