ميشال سليمان إن حكى
فارس خشّان
منذ نعومة أظفاري، كنتُ أطمح الى أعلى المناصب في الدولة اللبنانية.لم يشعرني ذلك بأي “وخز ضمير” فالطموح حق مكتسب، ومن دونه فإنّك تفقد القدرة على الإنجاز وعمل الخير والوفاء والشجاعة و.. تقبُّل الموت والإستشهاد.
إلا أن طموحي هذا لم يتحوّل يوما الى طمع.لم أسمح له أن يقودني الى الطرق المعوجّة، بل سلكت دائما الدروب المستقيمة، حتى لو اعتبرها البعض دروبا كلاسيكية لا بطولة فيها. لم ألغ أحدا لأكون مكانه، لم أستقو بأحد من أجل التفوق على أحد. عملت بجهد وإخلاص وتطلعت بثقة الى الغد، حتى غلب على طبعي التفاؤل في أزمنة كان فيها الجميع لا يرى سوى التشاؤم، ودائما رأيتُ آخر النفق في حين كان الجميع يعتبرون ان لا مخارج. ربما كان في ذلك الكثير من تنشئتي المسيحية التي تقوم على الرجاء والتي لا ترى في الصلب سوى معبر ضروري الى عظمة القيامة.
وفي هذه الأسابيع الأخيرة، أجد أن كل ماضيّ يتجمع في حاضري، وكأن خبرات ثمان وخمسين سنة لم تحصل إلا لأُحسن صرفها في خدمة “تعقيدات” سنتي التاسعة والخمسين.
في هذه الأسابيع الأخيرة، استذكر المشاعر التي كانت تعصف فيّ وأنا أنتظر نتيجة امتحاناتي الرسمية، ومن ثم نتيجة مباراة دخولي المدرسة الحربية، كما تخرجي ملازما في الجيش اللبناني، كما ضابطا عاملا على امتداد الجغرافيا اللبنانية، كما إمكان وصولي الى قيادة الجيش، كما نتاج كل قرار كنتّ أتخذه في مواجهة مرحلة عصيبة من المراحل التي مرّ بها بلدي.
على مدى حياتي كنتُ أُزاوج بين الواجب والرجاء. كنتُ أقوم بما تمليه عليّ المراحل التحضيرية ومن ثم المراحل التنفيذية وأركن متفائلا بأن “الأنسب” لا بد آت.. وكان يأتي.
الآن لم يختلف وضعي أبدا، لا بل ثمة شعور داخلي قوي يعصف فيّ بأنّ كل ما مضى لم يكن سوى مدرسة لأتعلم حسن إدارة ما هو آت.
البعض يظن ـ وهو يرى الصعوبات التي تمنع إنتقالي من اليرزة الى بعبدا ـ أن الطريق مقطوعة أبدا، وأنني من دون شك رجل يائس. هذا غير صحيح على الإطلاق. لا أزال على تفاؤلي. لا أزال أرى نهاية النفق. لا زلت مقتنعا بأن ما يتعقد في لحظة يجد له حلا في لحظة.. أيضا.
لا مصلحة لأحد أن يعمم أجواء التشاؤم. وحده الرجاء يخدم الشعوب والقادة. تعميم التشاؤم لا يُنتج إلا الويلات، هو “أفيون” الثورات. وحده الرجاء يسمح للناس بالإستمرارية، وللفقير بالسعي، وللحزين بالحياة، وللقائد بالإبداع، وللشعب برسم قدره بيده.
لولا الرجاء، لما كان السيد موسى الصدر قضية، ولما كان آل الجميل في صلب الحياة السياسية، ولما كان وليد جنبلاط قد قبل بوراثة “نعمة الإستشهاد”، ولما كان رفيق الحريري ملفا مفتوحا كأبواب الجحيم على من اغتالوه، ولما كانت “ثورة الأرز” قد حققت أهدافها البدائية، ولما كان الصمود في حرب تموز ولما كان التحرير في العام 2000، ولما كانت بكركي مرجعية وطنية، ولما كان ميشال عون في لبنان، ولما كان سمير جعجع قد غلب سجن السنوات الطويلة بحلم لحظة الحرية، ولما كان الإنتصار في معركة نهر البارد، ولما كان الجيش الآن في الجنوب في مواجهة أعتى عدو، ولما كان جسد فرانسوا الحاج دافعا الى مزيد من العطاء.
نعم، أنا أرى أن الصعوبات التي تمنع ملء الفراغ في رئاسة الجمهورية مجرد “غشاوة نظر”، وان الخوف من حرب أهلية مجرد استسلام لقدر مضى، وأن الإمعان في الخطاب الطائفي سيُنتج غثيانا “شافيا”، وأن الثقة العامة بالغد سوف تنقلب وبالاً على “مروجي التيئيس”.
لا أعرف حتى الساعة لماذا هذا الإكثار من الكلام المحبط عن الفراغ الرئاسي. ليس ثمة فراغ قاتل في لبنان. هناك حكومة تحكم، وهناك معارضة تتحرك، وهناك شخصية يمكن توصيفها بأنها “الرئيس المنتخب” الذي ينتظر حلول موعد أداء قسمه الدستوري لاستلام مقاليد الحكم.
أنا حاليا قائد للجيش، ولكنني فعليا رئيس لبنان المنتخب. الجميع إنتخبني، ولكن هناك من يعطّل جلسة القسم لعله يحوز قسماً من هذا البلد فيتحكّم به.
رجاء، أبلغوا من يريدونني أن أعتزل انني لن أفعل. لم تعد المسألة متعلقة بي أنا، بل باتت أمانة وطنية لن أخونها. لن أخون شعبا بات يعتقد أن انتخابي هو أمله الوحيد، لن أخون فرانسوا الحاج الذي لولا “انتخابي” لكان اليوم يعيش فرحة الأعياد مع عائلته الحبيبة، لن أخون شهداء نهر البارد الذين لولا ايمانهم ببلد قادر على الحياة لما قاتلوا حتى الإستشهاد رافضين توضيب حقائب الهجرة، ولن أخون وطنا قد يتعرض لزلزال إن ارتضيت أنا ان “أنفد بريشي”.
إلا أنني أعترف وأقر، بأنني مرتبك بعض الشيء. ثمة قرارات تجول في خاطري، لم أحسم أمر تنفيذها بعد، ومن بينها تلك التي تحدوني الى التصرف كرئيس منتخب للبنان. إرباكي ناجم عن إيماني الراسخ بوجوب الإنتباه الى المؤسسة العسكرية قبل أي شيء آخر. أحيانا أتساءل عما إذا كان هناك من يجذبني في هذا التوقيت الوطني الدقيق الى إهمال الجيش من أجل السياسة، وتاليا يعصف فيّ سؤال كبير عن الهدف الكامن وراء ذلك.
في الأسابيع القليلة الماضية، بت على اقتناع راسخ بأن الفراغ ليس نتاج صراع على حصص سلطوية بل هو هدف مكتمل بذاته، ولكن تحقيقا لهدف أخطر: الفوضى.
عمليا ثمة عدو لي أحاربه حاليا، من موقعي الإحتمالي كرئيس للجمهورية ومن موقعي الفعلي كقائد للجيش، إنه الفوضى. قلتها في أمر اليوم وأرددها كل يوم، لن أسمح بالفوضى، لن أسمح بقطع طريق على مريض يحتاج الى مستشفى، وعلى تلميذ ينشد العلم في مدرسته، وعلى شاب يصنع مستقبله في عمله، وعلى عجوز ترك الدنيا ليشبع آخر أيامه من وطنه، وعلى أم يقلق مضجعها السؤال عن الغد، وعلى أب يناضل ضد شهوة حزم حقائب عائلته الى.. المجهول.
ثقوا بأن الفوضى عدو خاسر حتما، فعلى جري عادتي أعرف عدوي جيدا، ولهذا لم أقبل يوما بخوض معركة قبل أن أعرف أنها ستتكلل بالإنتصار.
ومتى خسرت الفوضى انتهى الفراغ ودقت أجراس “جلسة القسم”.
وتأكدوا لو أنني حليف الفوضى لكنت اليوم احتفل بالأعياد المجيدة في القصر الجمهوري. عُرضت عليّ أمور كثيرة، كانت أكثرها صراحة بعد استشهاد بطلنا فرانسوا الحاج، ولكنني رفضتها. رفضتُ صفقات من تحت الطاولة، لأن رئاسة الجمهورية بحاجة الى من ينقذها لا الى من يتاجر بها، فلقد دفعت كثيرا ثمن تجار المناصب.
يستحيل عليّ ان أقبل، وانا على مشارف جلسة القسم ـ وهو قسم مقدس ـ بأن أفرط بصلاحيات رئاسة الجمهورية، وبأن أقبل بتعيين قائد للجيش من أولى مهماته خلق دولة في قلب الدولة من أجل أن تنتصر الدويلات على الدولة، وبأن أكون الرئيس الذي يكرس المزارع في بلد أرهقته المزارع، وبأن أكون الرئيس الطرف الذي من مهامه فك اللحام الذي يجمع “الموزاييك” اللبناني. قلتها وأقولها: لن أقبل برئاسة جمهورية تضرب قريطم أو الرابية، تنقض على معراب او المختارة، تتآمر على حارة حريك او بكفيا، تعقد صفقات مع عين التينة على حساب السرايا، توقف عجلة العدالة من أجل أي “قاتل”، وتفتح الحدود أمام أي طامع.
يستحيل عليّ ان أقبل، وانا على مشارف جلسة القسم ـ وهو قسم مقدس ـ بأن أفرط بصلاحيات رئاسة الجمهورية، وبأن أقبل بتعيين قائد للجيش من أولى مهماته خلق دولة في قلب الدولة من أجل أن تنتصر الدويلات على الدولة، وبأن أكون الرئيس الذي يكرس المزارع في بلد أرهقته المزارع، وبأن أكون الرئيس الطرف الذي من مهامه فك اللحام الذي يجمع “الموزاييك” اللبناني. قلتها وأقولها: لن أقبل برئاسة جمهورية تضرب قريطم أو الرابية، تنقض على معراب او المختارة، تتآمر على حارة حريك او بكفيا، تعقد صفقات مع عين التينة على حساب السرايا، توقف عجلة العدالة من أجل أي “قاتل”، وتفتح الحدود أمام أي طامع.
يستحيل عليّ ان أقبل بكل ذلك. أنا أكثر شخصية معروفة مواقفي وإنجازاتي وتاريخي، ومنها يمكن ان يعرف الجميع مستقبلي. المقاومة تعرفني جيدا، وهي يستحيل ان تفضل ورقة مهترئة بالأطماع على معمودية الدماء. سوريا كلها تعرفني، فأنا معها في السراء والضراء في مواجهة الأخطار الإستراتيجية وفي تقوية العلاقات الأخوية بين بلدينا، ولكن عليها أيضا ان تتذكر أنني لم أستقو بها في زمن وجودها في لبنان من أجل إلغاء أحد ويستحيل ان تسقوي بي من أجل أن ألغي لها أحدا.
يستحيل على أي كان أن “يأكل رأسي” بالشعارات الطنانة. يريدون ديموقراطية، حسنا، فهل وجودهم في وسط بيروت، على الرغم من أكل الكثير من هيبة الجيش، سوى تأكيد على رعايتنا لحق التعبير عن الذات حتى الى أبعد من الحق المكتسب؟ يريدون حكومة وحدة وطنية، فهل يظنون ان رئيسا للجمهورية، وفق معادلات الطائف، يحلم بأقل من ذلك، ولكن علينا أن نتفق على معنى الوحدة الوطنية، فهل هي اندماج لإنجاز ما يرتجيه شعبنا أم هي مجرد تنظيم للقوى المختلفة الى حد التناقض في مجلس الوزراء؟ كنتُ وسأبقى ضمانة الإستقرار والوحدة الوطنية، فليس عليهم، عندما تدق ساعة العمل، إلا أن يثقوا بنا لنصنع الوحدة الوطنية في مؤسسة القرار التنفيذي.
يفتشون عن قانون عادل للإنتخابات يعطي المسيحيين حقوقهم في التعبير عن الذات. حسنا، من يمكن أن يعترض على ذلك؟ سعد الحريري قالها من بكركي، ووليد جنبلاط يفكر بدوائر حتى أصغر من القضاء، وسمير جعجع لم يكن يوما من دعاة لبنان دائرة انتخابية واحدة، والرئيس بري قال إنه بهذا الموضوع هو خلف البطريركية المارونية و”حزب الله” يقول إنه لها مهما كان شكل الدائرة الإنتخابية، فعلام الخلاف إذن؟، هل يعتقدون ان استمرار الفراغ الى ان تحين ساعة الإستحقاق النيابي هي الخلاص؟، كيف يكون ذلك؟ من يعدّل قانون الإنتخاب حينها، وتاليا كيف يأخذ المسيحيون حقوقهم في التصويت؟
نعم، مواقفي واضحة لا لبس فيها. لا تخافوا على حظوظي الرئاسية منها، لأن العائق الذي يمنع جسر الهوة بين اليرزة وبعبدا هو عائق يتخطى الموقف الوطني، كما ان إيجاد الحلول لا يكون بالتنازل عن الثوابت الواضحة بل بالتطلع الى تلك “الأعجوبة” التي تسمح بتحرير هذا الوطن من أسر اللعبة الإقليمية والدولية. نعم هي أعجوبة، ولكنني من تلك الطينة التي لا تزال على إيمانها بأن الله لم يخرج على التقاعد بعد.
وأخيرا.. دعوني أضعكم في واحد من أسراري الصغيرة.
قد لا أكون أنا رئيس جمهورية لبنان. قد تأتي لحظة أرى فيها من واجبي أن أكون “صانع ملوك” وليس ملكاً.
ثقوا أن لا عقد لديّ في ذلك.
لن أتسرع في اختيار هذا المسار، ولكن متى تيقنت أن المطلوب لمحاربة الفوضى ـ أي عدوي الحقيقي ـ هو إنجاز شيء كبير لملء الشغور في رئاسة الجمهورية، حينها قد أجد نفسي في بكركي أتحادث معمّقا مع البطريرك نصرالله صفير الذي أحب وأحترم، وأبلغه بوجوب ان تتكاتف الشرعيتان المارونيتان الروحية والعسكرية ـ ومعنا بطبيعة الحال إرادة الخلاص التي يتحلى بفضائلها الشعب اللبناني ـ من أجل وضع حد للفراغ، بالسماح للأكثرية أن تنتخب بالنصاب القانوني (النصف زائدا واحدا) شخصية وفاقية.
وحينها ليتحمل كل طرف مسؤوليته، لأن من يتلاعب بمصلحة لبنان هو خائن، وفي تربيتنا العسكرية لا مكان للخونة في الحياة الوطنية.
وعلى الجميع أن يُدرك جيّدا أن الكلام المعسول، والرسائل السرية، والتمنيات الطيبة، والإعراب عن الأسى، والتذكير بصداقة الأيام الخوالي، كل ذلك جيّد، ولكنه لا يُلغي أعمال الخيانة الموصوفة.
أرى من واجبي أن أتحرك قبل فوات الأوان. سوف أكلم الجميع من موقع الرئيس المنتخب. سوف أستلهم استطلاعات الرأي التي تقول إن اللبنانيين يفضلون “رئيس الخلاص” على “الرئيس الزعيم”، سوف أمنع الفوضى، سوف أحاول قطع دابر الفراغ، لن أهدأ ولن أستكين، ولكن في اللحظة الحاسمة لا بد من أن نُعين الله وقديسيه على إحداث أعجوبة تُعيد الإيمان لشعبنا بوطنه.
ملاحظة: هذا الكلام لم ينطق به قائد الجيش العماد ميشال سليمان، بل هو محاولة تهدف الى سبر أغوار ما يمكن أن يقوله هذا “الرئيس المنتخب” في حال قرر الخروج عن قواعد الصمت.