السياسة في لبنان بين 2007و 2008
غازي العريضي
كلما كان الخصم كبيراً وذكياً وقادراً كان موقعك في وجهه أهم. وانتصارك عليه أكبر ولعبتك معه أرقى وكانت التجربة أغنى وكان المواطنون أكثر اعتزازاً بالسياسيين والسياسة وبقادتهم ورجالهم ورموزه.
؟ انتهى العام 2007ولبنان بلا رئيس جمهورية لأول مرة منذ قيام الجمهورية. وهذه نتيجة ما جرى من أحداث ونزاعات وانقسامات في البلاد لم نشهد لها مثيلاً حتى خلال الحرب الأهلية التي رعت نهايتها المملكة العربية السعودية عند إقرار اتفاق الطائف عام 1989الذي أصبح دستوراً للبلاد. وأخطر ما جرى خلال هذا العام الى جانب اغتيال الشهيدين الكبيرين النائبين البارزين في صفوف الأكثرية النيابية وحركة 14آذار وليد عيدو وانطوان غانم، ثم اغتيال اللواء الركن فرنسوا الحاج مدير العمليات في الجيش اللبناني، وهو الذي قاد المعركة في نهر البارد ضد الارهاب، إن أخطر ما جرى الى جانب ذلك هو هذا الخطاب السياسي المليء بالحقد الذي شهدته الحياة السياسية اللبنانية خصوصاً من جانب المعارضة. حتى بتنا نشعر أنه لم يعد ثمة سياسة وسياسيون في لبنان رغم كثرة متعاطي السياسة.
نعم، السياسة هي فكر، وموقف وممارسة وأخلاق. إذا لم يكن في الخطاب السياسي فكر، أو إذا تجاوزنا الأخلاق فيه، وانحدرنا الى مستويات غير مقبولة، وإذا لم يكن ثمة موقف واضح ينبع من مصالح الناس وبالتالي مصالح الوطن التي تتقدم على مصالح الآخرين وأوطانهم أياً كانوا هؤلاء الآخرون، وإذا كانت الممارسة بعيدة عن المبادئ وجوهر الموقف وعن القيم فليس في كل ذلك سياسة وبالتأكيد ليس فيه ما يعبر عن الالتزام بمصالح الناس. السياسي الملتزم قضية ومبدأ ورسالة مسؤول أمام الناس. مسؤول عن كل كلمة يقولها وكل موقف يطلقه. ويجب أن يتصرف بحس عال من المسؤولية وأن يدرك أن ثمة محاسبة.
وعندما يسقط مبدأ المحاسبة تعم الفوضى ويصبح كل شيء ممكناً ومباحاً. هكذا تسقط الدول والشعوب في دوامات الأزمات. وهكذا تستفحل الأزمات وتتفشى الأمراض، وهكذا تضيع المعالجات.
والذي لا يكون في قلبه محبة لا يجوز أن يكون في مواقع المسؤولية خصوصاً مسؤولية قيادة الرجال. قيادة الرجال شرف. وقيادة الرجال أمانة. عندما لا تكون المحبة موجودة لا تشعر بالمسؤولية والأمانة ولا تشارك الناس همومهم وآلامهم وآمالهم وبالتالي لا يمكن أن تكون في موقع المسؤولية عنهم، لأنك عندما تتخذ أي قرار فأنت معرض بالتأكيد للانفعال والتسرع والارتكاز الى كل شيء إلا مشاعر الناس.
أخطر ما نعيشه اليوم هو أننا أمام حالة سياسية يتميز فيها متعاطو السياسة – ولا أقول السياسيين بما للكلمة من معنى وهم قلة على كل حال – بهذه الصفات ولذلك يبقى الأمل ضعيفاً بالتغيير.
ومن مظاهر الخطورة ما نسمعه من اتهامات وتخوين وتشكيك وصفات ونعوت والفاظ ومصطلحات يستخدمها هذا النوع من “المتعاطين” ضد خصومهم. ولطالما تساءلت: كيف تنظر الى نفسك في معركة ترى فيها خصمك ضعيفاً أو صغيراً أو حقيراً أوعميلاً أو متآمراً أو خائناً أو لا أحد يعبّره أو لا وزن له أو أو أو…. ؟؟ من الصفات التي استخدمها البعض ولم أقدم على ذلك يوماً ؟؟
ما قيمة “الانتصار” على ضعيف أو حقير ؟؟ ولماذا تخريب البلد في معركة ضد أشخاص من هذا النوع مثلاً ؟؟ أين الكبر في السياسة عندما يصغّر المتعاطون في السياسة أنفسهم ويصغرون خصومهم ؟؟ في أي ملعب يلعبون ؟؟ وأي لعبة يلعبون ؟؟ ومع من يلعبون ؟؟
كلما كان الخصم كبيراً وذكياً وقادراً كان موقعك في وجهه أهم، وانتصارك عليه أكبر ولعبتك معه أرقى وكانت التجربة أغنى وكان المواطنون أكثر اعتزازاً بالسياسيين والسياسة وبقادتهم ورجالهم ورموزهم. أما عندما لا يسمعون إلا الشتائم والسباب والنعوت والأوصاف والاتهامات الخارجة عن كل التقاليد والأعراف فلن يكون أحد مرتاحاً ولن يكون أمل بل سيكون يأس “وقرف” كما يقول كثيرون اليوم..
كلما تذكرت هذا الواقع حضرت أمامي تجربة القائد السياسي المفكر والمثقف الكبير كمال جنبلاط الذي خاض معارك كبيرة في حياته سقط في نهايتها شهيداً دفاعاً عن لبنان ووحدته واستقلاله وعن فلسطين واستقلالية قرار قيادتها، بعد اعتراضه على الدخول السوري الى لبنان وعلى السياسة السورية في العامين 76- 77.إنه الرجل الذي كتب كتاباً من بين مجموعة كبيرة من الكتب عنوانه: أدب الحياة. تحدث فيه عن أدب الحوار والخطاب والجلوس والتعاطي مع الناس في كل جوانب الحياة. وكان حريصاً على التواصل مع الجميع حتى في عز خلافه مع بعض الخصوم الذي حرص على بقائهم كباراً ليبقى يخاطب كباراً ويصارع كباراً فيبقى هو كبيراً وتبقى لعبته كبيرة. وأذكر في الوقت ذاته، ذات يوم وقبل استشهاده بأسابيع استدعاني الرئيس الشهيد الكبير رفيق الحريري قبيل منتصف الليل بقليل، وغالباً ما كانت تطول جلساتنا المسائية، وما تبدأ جلساتنا الصباحية باكراً جداً. وصلت اليه. وجدته وحيداً في مكتبه. متجهم الوجه. شعرت أن ثمة شيئاً غير طبيعي. هو غير مرتاح، وكان يتعرض لحملة شنيعة من السلطة بعد التمديد للرئيس السابق إميل لحود بقرار سوري. وقيل فيه ما لم يقل باحد غيره في حياتنا السياسية وكأن كل ذلك كان يمهد أجواء الحقد والاحتقان، التي في ظلها اغتيل لاحقاً. قال: إقرأ هذه الورقة. قرأت. ثمة بيان يريد إصداره. سألته: هل أنت مصر على إصداره. هل أصدرته أم تريد رأيي ؟؟ قال: لا. لم أعد أتحمل. أريد أن أرد. هذا مشروع بيان أريد رأيك. طويت البيان وقلت له: إذا كنت مصراً على الرد أنا مستعد لكتابة بيان آخر. أما هذا فلا علاقة لرفيق الحريري به. هذا ليس أنت. الناس لا تعرفك هكذا. يا دولة الرئيس كان كمال جنبلاط زعيماً كبيراً. اختلف هو وشخصية سياسية كبيرة تحولت بعد انتخابها لرئاسة الجمهورية أعني كميل شمعون بقرار من الجبهة الوطنية الاشتراكية التي كان كمال جنبلاط أبرز قادتها الى زعيم فعلي. قيل الكثير عن خلاف كمال وكميل. وكميل أسقط كمال في انتخابات العام 1957ومنذ ذلك الوقت والبلاد لم تستقر لأن خللاً في التوازن حصل فيها. رد كمال جنبلاط. أصبح صانع الرؤساء وملك اليسار وزعامة ذات نفوذ داخلي وخارجي قوي. وضعف كميل شمعون. وكان كمال جنبلاط يحرص على بقائه زعيماً خصماً. كان يتواصل معه بطرق مختلفة يطلق مواقف يتفاعل معها شمعون. كان كثيرون يسألون ماذا يجري؟ ماذا بعد كل هذه الخصومة والرجلان من منطقة واحدة، قيل أنهما اختلفا في المنطق واتفقا في المنطقة ؟؟
كان المنطق أن كمال جنبلاط الذي يخاصم كميل شمعون يريده أن يبقى فوق لتبقى اللعبة فوق. ويبقى هو فوق. ويريده أن يبقى كبيراً لتبقى اللعبة بين كبار، لعبة كبيرة وليبقى هو كبيراً ولذلك أقول لك يا دولة الرئيس: أرى فيك رجلاً كبيراً وأملاً كبيراً. وأريدك من أجل كل أجيال لبنان أن تكبّر السياسة في لبنان لا أن تصغّرك هي، لذلك لا أوافق على هذا البيان !!
أمسك الرئيس الشهيد بالورقة مزقها وقال: تفضل الى العشاء… وكان نقاشاً طويلاً وكلاماً لا أنساه وأعتز به.
أردت كتابة هذا المقال في نهاية هذا العام متمنياً أن يكون العام 2008عام خاتمة الأزمة وعام العودة الى السياسة الكبيرة، بل الى الكبر في السياسة والى الخروج من هذا الخطاب السياسي، ليبقى لنا أمل في لبنان إن ثمة قادة كباراً سيكبر بهم البلد..