#adsense

نهاية سنة محزنة للبنانيين

حجم الخط

نهاية سنة محزنة للبنانيين

مروان اسكندر

 

هناك كثافة زوار من اللبنانيين العاملين في الخليج والقاطنين بعيدا في فرنسا، بريطانيا، كندا، الولايات المتحدة واوستراليا، كما في غرب أفريقيا.


والازدحام الذي ساهم في تنشيط حركة المطاعم وزيادة اختناق السير وتنشيط المبيعات، يعود الى الشعور بان البلد مريض وعلى أهله ان يتحسسوا أوضاعه على أمل ان يكتشفوا موطن الداء ويستنبطوا الدواء.
وقد واكب اللبنانيون العائدون لتمضية اعياد الأضحى والميلاد ورأس السنة عدد من محبي لبنان من العالم العربي تعبوا من الابتعاد عن البلد بسبب مناخ القلق الذي يغلفه والعنف الذي يعبث بحياة خيرة شبابه.


ان الزوار العرب لم ينسوا لبنان الكلمة والصورة والمسرح والجبال والجامعات والخدمات، وقد وفدوا وإن بأعداد محدودة انما بلهفة الملتاعين على فقدان مناخ التطلع بحرية الى آفاق الممكن والمرتجى للإنسان الحضاري.


كان الاسى، ولا يزال، على ان لبنان هذا الذي يحبه أهله الذين هاجروا للارتزاق واكتساب العلوم وتحقيق الانجازات، غارق في مآسي السياسات المذهبية والطائفية، وفي خنق أنفاس الديموقراطية كل يوم.  ولبنان اصبح، في قيادته السياسية، بعيدا كل البعد عن طموح الشباب اللبناني الى استيلاد اقامة نظام ديموقراطي، معاصر ومتطور.


فالقيادات ليست في مستوى الشعب ومؤهلاته، كما ليست في مستوى الطبيعة ومعطياتها، ولا في مستوى المعاصرة بمقاييس البلدان المتطورة في المحافظة على حقوق المواطنين ورعايتها.


فلبنان يعيش برئة واحدة، ويتنفس برئة واحدة، ويكاد يختنق لان الرئة التي يعيش منها وعليها تتمثل في نشاط اللبنانيين في الخارج، أفراداً ورجال اعمال في مختلف بقاع العالم.  وعلى العكس، ان الرئة المتمثلة في الفرص المتاحة داخليا تفحّمت ولم تعد تعمل، والأوكسجين الوافد علينا، وان بكميات ملحوظة  تترجم بما يساوي سبعة مليارات دولار سنويا، لا يكفينا كي نؤمن حاجاتنا من المحروقات والمستوردات الضرورية، ناهيك بكفاية حاجات أجهزة الدولة وتجهيز الجيش وقوى الامن الداخلي.


ان مستوجبات النجاح الاقتصادي بعد حرب الـ 2006 المدمرة للاقتصاد وللانصهار الوطني، وما بعد حرب نهر البارد، باتت أصعب من السابق بكثير.  علما بان الموارد التي توافرت من مؤتمر استوكهولم، وتلك التي أمكن تأمينها من التزامات مؤتمر باريس 3، والتحويلات التي وصلت الى “حزب الله” من ايران، ونفقات القوة الدولية الى حد ما في لبنان، وتحويلات اللبنانيين من الخارج، ورصيد الضريبة على القيمة المضافة من الصادرات، كلها ساهمت في انقاذ الوضع الاقتصادي سنة 2007.


وفي حال انطلاق اعمال مجلس النواب، واستمرار الازدهار الكبير في دول الخليج العربي، والتطور الملحوظ في بلدان شمال افريقيا، يمكن لبنان خلال سنة 2008 تحقيق حركة توازي حركة سنة 2007.
لكن هذه النتيجة، في حال تحققها – وهذا امر مشكوك فيه ما دام مجلس النواب معتكفاً عن العمل والبحث والتقرير – لن تمثل انجازاً.  فطوال عشر سنين حقق لبنان نموا جيدا في سنة واحدة فقط، 2004، في حين كان معدل النمو الوسطي خلال هذه الفترة على مستوى واحد في المئة فقط، في مقابل معدل نمو وسطي في المنطقة، ولا نتحدث عن بلاد النفط، بمعدل 4،5 الى 5 في المئة سنويا.  هذه المقارنة، اضافة الى الأضرار المادية للحرب، تبين فداحة خسائر لبنان  مدى عقد كامل.


ان الشرط الاساسي لنجاح لبنان مستقبلاً، وتمكينه من مواجهة الاعباء المتزايدة لتجهيز النمو وتحريكه والعناية بالبيئة وخدمة الدين، هو الاستقرار الاجتماعي في اطار توافق سياسي على المصلحة العامة ووأد مسرحيات الدرامية لأصحاب الاختصاص من الديماغوجيين ممن عرفوا بعمالتهم وتقاريرهم الرخيصة وأصبحوا يناطحون السحب بألسنتهم المنطلقة من أي حدود اخلاقية.


اللبنانيون العاملون في الخارج، والمواطنون العرب المحبون للبنان ومناخه الطبيعي والبشري، يطلبون من البلد ان يكون متمتعاً بقادة سياسيين على مستوى 2007 كانت سنة حزينة لان القتال في نهر البارد اقتطع من حياة البلد أربعة اشهر ونصف شهر، وأرخى بظلال الخوف والتساؤل على امكان تسرب تحديات الاصوليين أو غيرهم الى مخيمات أخرى بحيث ينشغل الجيش اللبناني كلياً في قمع عمليات التخريب ويبقى البلد مخطوفاً ومحاصراً، في خانة البلد المهدد والخطر على الزوار والمقيمين.


ان الانقسام السياسي السائد، واللغة التي يستعملها البعض، والجمود الذي يكسر مبادرات الخير، كلها مظاهر تبعث على القلق والشعور بأن سنة 2008 لن تكون افضل من 2007، اذا لم تكن اسوأ منها بكثير.


بداية الامل تكون عند ارتقاء السياسيين ومناهجهم الى مستوى حاجات البلد وطموحات شبابه، اناثاً وذكوراً ومن مختلف الفئات، بينهم من يتمتعون بطاقات متميزة في العلوم والتكنولوجيا والافادة من فرص الاستثمار، كما في الآداب والمسرح والفن، والانجازات الهندسية والتنظيمية.


ان التخاصم السياسي السائد في لبنان لم يقعد اللبنانيين عن الطموح، لكن الصراع المستمر من دون منطق وبأساليب رخيصة، قد يؤدي الى اختناق لبنان.  فالرئة الصالحة التي تمدنا بالأوكسيجين قد لا تستطيع تحمل عبء حاجات الحياة الحديثة في مجتمع غير منتج ومثقل بالديون والعقم السياسي.  وتاليا، قد نجد أنفسنا مع الرئة المتفحمة التي ارادتها لنا غالبية السياسيين، وشاركنا، عن وعي او جهل، في تفحيمها الى حد أكبر بتصرفاتنا الرعناء.

المصدر:
النهار

خبر عاجل