والعربي يأكله الحسد
غسان شربل
غسان شربل
يصعب إدراج الحسد في باب الفضائل. ربما يخفف من شرّه عدم انتمائه الى قماشة الحسد الاسود الذي يتشهى دمار المحسود. ولا بد لي من الاعتراف بأن شعورا عنيفا بالحسد انتابني. فاحت رائحة نهايات السنة. وشاءت الصدفة ان اكون في فيينا. وكنت وعدت نفسي الا افسد رحلتي بالمقارنات لكن مخزون المشاهد المؤلمة جعل الوعد يتبخر سريعا.
كانت فيينا تلمع على سجادة الليل. لم يتنكر الثلج لمواعيده مع الطرقات والمعاطف. كدت اعتبر العالم جميلا. والساعات صالحة للفرح. كان بهو الفندق يعج بأناس يرتدون ابتساماتهم. ازواج ينتظرون موعد الذهاب الى دار الاوبرا. مراهقون يسألون عن عناوين مصانع الاحلام. غمرتني لذة الوجود في مدينة تتكئ على التاريخ ولا يستعبدها. مدينة تنام على نهر من الموسيقى والفالس والثقافة والذوق. كم يبدو العالم جميلاً في العواصم البعيدة.
توهمت انني سأشاطر هؤلاء الغرباء بهجتهم. لم يدم التوهم طويلا. العروبة مرض مؤذ. تضخ حبراً في عروقك. تضخ حزناً في عقارب ساعتك. والعربي مصاب اصلا. معطوب في جيناته. فور الولادة تصادر القابلة حقه في الفرح. وحقه في الاحتفال. وحقه في العيش الطبيعي. ثمة جينات خاصة تعد العربي لانكسارات لا تنتهي. تؤهله لخوض الحرب الاهلية وهي آتية وان تأخرت. تعده لمراسم التشييع لا لدار الاوبرا. تحوله دفتر خيبات او عبوة شديدة الانفجار تبحث عن عرس لتحيله مأتماً.
في الطريق من المطار الى الفندق قلت اقاتل المسافة بالثرثرة مع السائق. سألته اين سيمضي سهرة رأس السنة فقال انه رتب موعدا مع اصدقاء. وعما يتمناه من السنة المقتربة قال انه يقبل ان تكون كالمنصرمة فقد كانت جيدة. سألته ان كانت تراوده مخاوف من السنة الوافدة فاستهجن السؤال. وعما اذا كان يؤلمه ان تكون بلاده دولة عادية بعدما كانت جزءا من امبراطورية اجاب:» التاريخ يقيم في المتاحف والارشيف والكتاب. نحن دولة صغيرة لكننا دولة مستقرة. لا نحارب في الخارج ولا نتحارب في الداخل. اذا اخطأت الحكومة يحاسبها البرلمان. يعاقبها الناخبون عبر صناديق الاقتراع. هنا يمكنك ان تنسى اسم المستشار. البلاد يحكمها القانون وتنعم بالأمن. مأخذي الوحيد هو ان الانضمام الى منطقة اليورو لم يكن الخيار الافضل».
اعجبني كلام السائق. والحقيقة انني سعيت الى وقف الحوار. خشيت ان يطرح السائق النمسوي علي سؤالاً متفجراً كأن يقول أولا يفعلون الشيء نفسه في بلادكم؟. خفت ان يسألني. كيف سأشرح له انني من بلاد تحول الدستور فيها ممسحة. من جمهورية تعيش بلا رئيس وفي ظل حكومة «بتراء» وبرلمان اصابته غيبوبة عميقة قبل عام من موسم «الشر المستطير». هل اقول له ان حارس الدستور يلبسه ازياء لم ترد في مخيلة لاغرفيلد وارماني فضلا عن ايلي صعب؟. وماذا اقول له لو سألني عن حكم القانون في مقديشو والمصالحة الوطنية في بغداد وعن عواصم اخرى كثيرة؟. حرفت الحديث في اتجاه الطقس فهو الموضوع الوحيد الذي يستطيع العربي التحدث فيه بلا احراج.
في المقهى في فيينا رحت اراقب العابرين. عاودني الحسد الشديد. لماذا لا يستطيع العربي ان يبتسم في استقبال سنة جديدة؟ لماذا يعجز ان يكون مواطنا طبيعيا في دولة طبيعية؟ وهل صحيح ان الديموقراطية كما الدستور وحكم القانون نباتات اوروبية او غربية لا تعيش في تربتنا؟ ولماذا مدارسنا قديمة وجامعاتنا قديمة ومناهجنا بالية؟ ولماذا حدودنا مفخخة وعواصمنا مفخخة ومثلها الكتب والاغاني؟ ولماذا لا نستورد التكنولوجيا إلا لنضعها في خدمة وحوش التاريخ؟.
يذهب العالم الى السنة المقبلة. ينهمك بأرقام الموازنات ومعدلات البطالة والتنمية. ينهمك بالبحث العلمي وفتوحات العقل والاحتباس الحراري ونحن نهيئ النعوش لضحايا العمليات الانتحارية والفتن المذهبية. يذهب العالم الى المستقبل والعربي يأكله الحسد.