#adsense

سنة استشهاد الجمهورية

حجم الخط

سنة استشهاد الجمهورية

نبيل بومنصف

   

كانت تفتقر بعد الى “نهاية هوليوودية”، فجاء ختامها مسكاً. سنة 2007 اللبنانية لا تحتاج الى عناء كبير يبذله الباحثون عن “رجل العام” او عن “امرأة العام”، لأن اوصافها ناطقة واضحة شفافة، خلافاً “لكبار” صانعي احداثها. هي سنة تفلت لبنان تفلتاً تاماً من رابطة العقد والعامود الفقري الذي يقيم دولة ويضمن تطورها، التفلت “السلس” من الدستور و”الاقلاع” المطلق عن الانتظام السياسي والاصول الناظمة للدولة.


بدايتها تهويل ونهايتها تهويل وما بين البداية والنهاية ما يقف دوماً عند مشارف الهاوية. لكن لبنان كان في الهاوية من دون اعلان رسمي مثبت. الوقائع واليوميات والتطورات المفاجئة والمتوقعة، والمحسوب وغير المحسوب، المباغت واللامفاجئ، كل هذا لم يخرج عن الخط البياني لتحلل بقايا الهيكل، والنذر القليل المتبقي من ذلك المسمى دولة.


اقتحمت الأزمة “الكيانية” العقد الكبير بأخطر وجوهها على الاطلاق فاعادت لبنان دفعة واحدة الى فصول الخلافات الكبرى ليس على النظام والسلطة فحسب بل حتى على جوهر الانتماء والهوية ولو بشعارات مبطنة لا تفصح عن الحقيقة العارية كما هي. أخطر ما افضت اليه هذه السنة الآفلة في ساعاتها القليلة المتبقية هي انها بدلت تبديلا جذرياً نمط الصراع السياسي بقصد او من دون قصد، بتخطيط مسبق او بسياق متسارع عفوي، بين غالبية ومعارضة على جوهر مفهوم النظام والكيان.


سيكون من الخطأ الكبير الاغراق بعد 2007 في تصنيف الصراع كأنه على السلطة. هو صراع محقق بين مشروعين يكاد يعيد لبنان الى حقبة مؤتمري جنيف ولوزان حين استهلك “الاتفاق” المبدئي على هوية لبنان جولات وجولات ولم يفض الامر آنذاك الى وضع حد للحرب. ليس ما يجري الان، في نهاية سنة 2007، اقل جسامة، حين “يقتطع” كل طرف ما ناله دستورياً ونظامياً من الدولة ويحوله إقطاعاً حقيقياً ناجزاً منفصلاً عن اقطاع شريكه الخصم ان لم نقل “العدو”. ليس من المبالغة إطلاقاً التحدث في هذا المقام عن “عداوة” بين المعسكرين ما دام الدستور صار ألعوبة شخصانية وما دامت المؤسسات صارت ملكاً حزبياً وفئوياً وجهوياً وما دام الفرز الأغلبي والأقلّوي صار اشبه بالتمييز العنصري في قلب كل معسكر. وما دامت العدوانية السياسية صارت آفة انقسام اجتماعي عائلي حتى في منازل الناس وهدأة البيوت الرازحة تحت أفضال السياسيين ومآثرهم العميمة على اللبنانيين.


لم يصل مستوى العداوة والعداء والتحدي والفرز على المستوى الجماعي والفردي حتى في عز حقبات الحرب الى المنسوب الذي حققته سنة 2007.


واذا كان ثمة ما “يفاخر” به الزعماء اللبنانيون قاطبة في ختام هذه السنة فهو من مقلب تعميم ثقافة العداء في الدرجة الاولى ومن ثم تأتي التفاصيل والحواشي والاستتباعات. صارت الازدواجية التي تطيع السلوك السياسي سلوكاً عاماً لأن الناس عندنا على دين ملوكهم، مهما تقلبت بهم الأحوال. ولأن موجبات تفجير النظام من داخل النظام ومن خارجه على السواء تقتضي نفخ العدائية الى ذرواتها، استفاقت السنة كما انطوت على موجات عداء لا هوادة فيها على الهدف المركزي المنشود، اي مفهوم الدولة المركزية الواحدة والجامعة والقوية.


وعبثاً البحث عن اي سبب آخر لتحلل النظام والدولة وعودة النفوذات الخارجية عودة مظفرة قوية ومذهلة ما دام صانعو هذه المأثرة حققوا ما ارادوه واقتلعوا ما انجزته تضحيات اللبنانيين وشهدائهم بطرفة عين.


الخطأ الكبير هو اعتبار الفراغ الرئاسي “نجم” السنة ورجلها الاوحد وقمة مآسيها، ما دام سجل السنوات والاعوام يقاس بالنكبات في لبنان وليس بالابتكارات والانجازات الخيّرة لمصلحة انسانه. هذه السنة بدأت اساساً كما انتهت بفراغ الدولة والنظام والمفاهيم الديموقراطية الحقة لأن لبنان لم يعد جمهورية ديموقراطية، بل أضحى مفهوماً هجيناً لكل العبث بالدستور والنظام وسط اكبر انفجار للازدواجية السياسية والخبث القاتل لمفهوم الدولة. وحسب “أبطال” هذه المأثرة، ان يقفوا على اطلال سنة اخرى مرت عبثاً من اعمار اللبنانيين متباهين باستشهاد النظام، متقدماً لائحة شهداء الجمهورية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل