#dfp #adsense

تفاءلوا

حجم الخط

تفاءلوا

راشد فايد 

  

أول ما يخطر على البال، في وداع السنة، ليس تمني ان تكون الآتية افضل، بل ان تكون أقل سوءا. فالمشهد الذي تقفل عليه السنة الآفلة لا ينطوي على أي تباشير، ولو ان النذر السود لا تقفل الافق كليا. تكفي متابعة مستوى الخطاب السياسي الذي تعتمده الاقلية المعارضة، الى جانب تحركها على الارض من سحب الوزراء الستة الى “الاستيطان” في وسط العاصمة، وصولا الى فشل محاولتها اطلاق الفتنة الاهلية، للاستنتاج ان الازمة في نفق بلا ملمح نور، على الاقل، كما يُرى من رأس السنة.


واول ما يخطر على البال في وداع السنة لمن عايش السياسة الداخلية قبل الحرب الفائتة ثم في زمن “الطائف السوري” ان اي طاقم سياسي في تاريخ ما وعينا من خلافات داخلية، حتى ابان الصراع المسلح، لم يبلغ هذا المستوى من الاسفاف الذي يأنف عنه العوام، حتى ادناهم وعيا وادراكا، خصوصا حين تلبسه المعارضة ثوب الوقار الدستوري، وتمنحه جبة الوطنية وجلباب الحس الاجتماعي، وتقلب الاسود ابيض، وتحول الاعتداء صداً، وتجعل الافتئات على الحقيقة فضيلة، وتفتيت الوطن وسلمه حرصا وغيرة، وترى في محاولتها استغباء المواطنين واستغفال ذاكرتهم، ذكاء.


ففي “وصلات” خطبائها، ان استمرار الحكومة مخالفة للدستور وانقلاب عليه، بينما تجاهلها، اي المعارضة، الاحتكام  الى مجلس النواب لطرح الثقة، واستبداله بالشارع، ليس انقلابا ولا مخالفة. وبينما ترى هذه في اصرار قوى الرابع عشر من آذار على الدعوة الى الاستقلال ورفع الوصاية تجييشا طائفيا وغرائزيا، فانها تسبغ الوطنية الصافية على احتكارها قرار السلم والحرب وتمسكها بالسلاح في غياب كل عمل مقاوم جنوبا. واذا جاء ديفيد ولش الى بيروت، ففي ذلك مؤشر الى حرص واشنطن على تعقيد الازمة، بينما اذا قال فاروق الشرع، نائب الرئيس السوري، ان لا ضرورة للعجلة في انتخاب رئيس للبنان، وان ذلك يمكن ان ينتظر الى الربيع المقبل، ففي ذلك “نصيحة اخوية” وبالتالي لا ضرر منها ولا ضرار. وحين تحيل الحكومة على مجلس النواب مرسوما لفتح دورة استثنائية لتسهيل انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، يرد العماد ميشال عون ان “ما قامت به يعني امرا واحدا، وهو انهم لا يريدون التوافق وهم يعتقدون انهم بهذه الطريقة يثبتون الفراغ ويتركون حكومة السنيورة تدير البلاد”. وهو يتجاهل، في كل ذلك، اقفال ابواب مجلس النواب ولعبة نقل قرار التفاوض من الرئيس نبيه بري اليه وتقاذفه شخصيا كرة الاسترضاء بينه وبين “حزب الله”، مما ادى الى استمرار شغور موقع الرئاسة وحلول مجلس الوزراء محل الرئيس. وهو ما لا يقع تحت ناظري وزير العمل المستقيل الدكتور طراد حمادة الذي لفت الى ان “الحكومة بالغت في استئثارها بالسلطة، وهي تريد الاستيلاء على صلاحيات رئاسة الجمهورية لاطالة امد الفراغ”، لكأن الدستور غير واضح ولا صريح في تأكيده قيام مجلس الوزراء بصلاحيات رئيس الجمهورية في حال شغور سدة الرئاسة، وهو أمر لا يريد ان يراه ايضا وزير الطاقة والمياه المستقيل محمد فنيش الذي رأى في المرسوم “امعانا في خرق الدستور وارتكاب المخالفات”.


نحر الدستور بالتفسيرات المطواعة ليس وحده ما يطبع انتقال الازمة اللبنانية من سنة الى اخرى. فالاتهامات بالخيانة التي تلوكها ألسنة المعارضة من دون سند سوى العمى السياسي والاستماتة في تحقيق الانقلاب على الطائف، صارت جزءا مقيتا من المشهد السياسي، وان لم يستطع اللبنانيون استساغتها لنقضها الذوق السياسي العام، من جهة، ولاستخفافها بعقولهم، من جهة اخرى.


لائحة العناوين السياسية الشعبوية التي تتقنها المعارضة لا تقف عند حد، وهي اذ تمهر الازمة الداخلية بطابعها بسبب من قدرتها على الترويج بلا خجل لما تبتدعه من استنتاجات تجعل المراقب يحار في تخيل ما سيقوله اركانها يوم يضطرون للتحاور مع خصومهم لانهاء المأزق الذي دفعوا البلاد اليه، وبالاحرى بما سيبررون به هذا الحوار امام جمهورهم خصوصا اذا كان لا يؤمن بالتكليف الالهي وبالتفويض المطلق؟


لكن ليس هذا وحده ما ينتقل مع اللبنانيين والازمة من سنة الى اخرى. فلبنان مجددا ضحية لعبة الامم، واذا كان العام 1975 سلم العام 1976 لبنان على مرمى يد الحاضنة السورية، فان العام 2007 سلمه الى السنة 2008 على مرمى حاضنتين صغرى هي سوريا واكبر هي ايران وهما متفقتان على الحضانة ومعرضتان للاختلاف عند كل مفترق. وغير بعيدة اسرائيل التي، كما في الحرب السابقة حين اقتضت مصلحتها سيطرة فلسطينية على لبنان ودخولا سوريا لاحقا لمصادرة القرارين اللبناني والفلسطيني واشغال الثلاثة عنها، كل منها بالآخر، لا ترى حاليا مانعا لاشغال سوريا بلبنان وحفظ سلامة نظام دمشق.


وما ينتقل مع اللبنانيين بين سنتين شعور بمزيد من العجز العربي امام ازمتهم وسعي بعض العرب لتدمير القطبية العربية القائدة التي تمثلها المملكة العربية السعودية لمصلحة التفتيت الذي يخدم حلم القطبية الايرانية الاقليمية.
ومع المشهد العربي المؤلم، ينتقل مشهد فرنسا التجريبية في عهد نيكولا ساركوزي الذي باع جلد ثورة الاستقلال بلا اي ثمن لمن خاصمه الرئيس جاك شيراك منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، ثم عاد من القاهرة ليهدده بما لا يملك بعدما منحه فرصة لا يستحق.


وبين المشهدين يضيق الوقت على الادارة الاميركية التي تتناقض مع مخابراتها في الموقف من ايران النووية، ومع اسرائيل، حليفتها، في الموقف من نظام دمشق وتاليا الازمة اللبنانية. وفي ذلك احد أوجه رهان يمتد من معارضة الداخل الى الجار والحليف.
مع ذلك، تفاءلوا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل