سنة الغراب
سمير عطاالله
كانت الناس تؤرّخ لنفسها بالسنين. وتنتقي من السنة أشد ما فيها فتنسبها كلها الى لحظات الشدة. وتشابهت الناس في هذا المنهج، على اختلاف الامكنة والبيئات. ولما هطل مطر موصول غزير على الكويت اواخر القرن التاسع عشر، سميت تلك السنة “السنة الهدامة”، مع أل التعريف. ويقول المؤرخ يعقوب الغنيم، انه لما تكرر الطوفان في سنوات تالية، حوّلت العامة تلقائياً الاسم الى نعت، وحذفت أل التعريف. وفي قريتي بتدين اللقش حدث ذات سنة فيضان عظيم ومطر كثير هدَّ زوايا البيوت الطوبية، ومزّق السطوح، وجعل السواقي انهاراً مخيفة. ودخل الخراب في تاريخ القرية على انه “سنة الطوفة”. وفي تحفته “ليون الافريقي” استبدل امين معلوف الفصول بالسنوات، ومنها “سنة استغفر الله”، وهو عام أغري فيه لاوون المسلم بالتحول الى النصرانية من اجل منصب في الفاتيكان.
تعودنا، في الصحافة، مع مطلع كل سنة، ان نعيد عرض احداث السنة التي مضت. وفي 1970 كلفني أُنسي الحاج أن اعد “الملحق” برمته عن ابرز ما مضى. واذ استعدت الحوادث والقضاياـ كررت في كل صفحة، صورة للرئيس صائب سلام ضاحكاً، وتحتها تعليق واحد: لماذا يضحك هذا الرجل؟
وماذا كانت مآخذنا يومها في جمهورية “كاميلوت”، على رئيس الحكومة؟ كانت اشياء من نوع رفع اسعار معاجين الاسنان، وزيادة الضريبة خمسة قروش على الكاز، وعدم تصريف موسم الزيت في الكورة. ويا للهول!
وثمة استطراد لزومي آخر: “في البدء كان الكلمة” و”اقرأ باسم ربك الذي خلق”. هكذا يبدأ الله في مخاطبة عباده، اذ يميزهم عن سائر مخلوقاته وينزل عليهم “الكتاب”. توراة وانجيلاً
وقرآناً، وقد ربط الكلمة بالنطق، التميز الذي منحه للبشر. وكان يذكِّر الانسان دائماً بأحكام الحياة وضوابط العقل: لعلهم يعقلون. لعلهم يتفكرون.
فقدنا، السنة الماضية، اشياء كثيرة ورجالاً كثيرين. وكان يمكن ان نسميها سنة خروج الرئيس اميل لحود من قصر بعبدا محافظاً على ضحكته التي لم تؤثر فيها تسع سنين عجاف، الا من معالم الموت واعلام الدم، ولكن لا. هناك ما هو اهم من ان نكرر السؤال: لماذا كان يضحك هذا الرجل وبلده يئن ويمشي خلف الجنازات من مأتم الى مأتم. هناك ما هو أهم.
كانت 2007 السنة الهدامة. “سنة الطوفة” اذ هدَّ المطر الموصول زوايا البيوت، وحفر ونثر سطوحها. ولكن اعظم ما سقط في لبنان، وما غرق وما جرفه الفيضان، هو الكلمة وشرف النطق. كانت تلك سنة انتقال لبنان، من موطن للغة ومنبع لليازجيين والبساتنة والعلايليين وحراس شرف اللغة، الى مستباح لسقط الكلام. او ما يسميه خوان اسونسيو “زيف النطق”، اللغة التي فقدت براءتها: شرسة شرهة لا هدف لها سوى الغاء صيغة الفعل، بمعنى الوجود، الغاء البراءة والبريء، جريمة تتخفى خلف غيمة من الاصوات او من الدخان لتخفي عنا حسن استخدام الكلمة.
يرى غبريال مارسيل في انحطاط الخطاب قيام لغة الشر. اذ يكثر استخدام الكلمات الجثث، الضاجة، الصاخبة، الغاضبة، المحطَّمة بالفؤوس، المفرَّعة من الانسان. اما ارمان روبان فيقول انه اذا تحقق لذي النزعة الديكتاتورية ان يقيم عالماً وفق رغبته فسوف يملأه ضجيجاً فارغاً اشبه بالصمت “مكرراً على شفتيه دائماً الكلمات الهواجسية التي تحول المسألة كلها معسكر اعتقال شفوياً”. هناك خوف دائم يلاحق ارمان روبان: الخوف من الكلام الزيف. من “ضد – الكلمة” الذي يؤدي الى اللالغة، الى الهلوسة، الى الظلام، الى تأليه العدم واللاشيء واللاقول. الى الشر.
في مثل هذه الحال، او هذا الوضع، يتحول “الذكاء الملائكي” كما يقول بيار بوتونغ حواراً شخصياً، مونولوغاً انانياً “تتكرر فيه عبارات الهراء والتزييف”. لقد كان مفجعاً ذلك الذي حدث للكلمة في لبنان سنة 2007. ففي الماضي، كانت هي لبنان. وفي عالم من الرقابة والصمت والانقباض، كان لبنان يحترف فن التعبير عن الحياة. وكان هو ساحة التفاعل الفكري العالي بأرقى اساليبه. وكن هناك ادراك غريزي، دفاعي، لدى أسره المُكونة، بأن هذا هو المبرر الاهم للوجود السياسي، فيما تتراجع المنطقة برمتها نحو تمجيد غبار العصور وثقافة “الصمت زين والسكوت سلامة”. ولذلك كان هناك دائماً لبنانان: السياسي المساوم والمتقلب، والفكري المتطور والمتقدم الذي يحصّن صورة البلد ومكانته في زمن منهار ومتهافت.
حدث سنة 2007 انهيار جليدي، بعضه سيلقي متوقع، ولا حول ولا قوة الا بالله، وبعضه مدبر ومصنع. شيئاً فشيئاً، وخطاباً بعد تصريح، طمر تساقط المنعة الاخلاقية والفكرية، صورة بلد يحتمي بالكلمة منذ آلاف السنين. صيغة كان قوامها الكلمة التي عهدت، ولم تكتب. الكلمة الميثاقية الاعلى من النص، لأن النص حبر يمكن ان يقع في اي يد عابرة، اما الميثاق فهو عند الوطن كما هي الكلمة عند الله.
منح الله الانسان ما لم يمنحه لسائر المخلوقات والكون كافة: الكلمة. وذلك من اجل ان يخاطبه ويحرره ويسلمه كتابه “مصدقاً لما بين يديه”. وقد هوت الكلمة في لبنان عندما تساوى الخطاب وحطّت الآداب وتراخى السلوك وتجلدت الافئدة ورُكلت جثة الرحمة. ولما فقد لبنان خُلق الخطاب فقد توازنه وتحللت معاييره وعومل كمُلك سائب وكرم نام عنه حراسه ورعاته والمكلفون.
الكلمة التي كانت ترفع لبنان وتحلق به، صارت حالة الشتم بالحاضر والكفر بالماضي وزلزلة المستقبل. ولما علا هذا الفسق، وعم هذا الشطط، وفاض الاناء بيحققته، انسحب الاوادم ودخلوا بحقيقته، وتركوا الشرفات للردح. وهذا تماما ما أُريد. فعندما لا يعود في ساحة الالتقاء سوى السَّب والعرّ والغضب، ويحتمي اهل الخلق بعمق ذواتهم، ويتركون الجنازات الطويلة تذهب منفردة الى احزانها، والشتم يلاحقها، والقاتل لا يغفر للقتيل، وشاهد الزور يتضايق من بكاء الامهات ودموع الابناء. انه على عجل.