مناخ صِدامي يخيّم على بيروت بالتزامن مع نفاد الصبر العربي والدولي من سورية ومواقف تصعيدية متوقعة اليوم من نصرالله
كتبت صحيفة الراي العام الكويتية في تقرير لمراسلها من بيروت ما يلي: لم تختلف انطلاقة سنة 2008 في لبنان عن نهاية العام 2007 على المستوى السياسي مع ان اللبنانيين اقبلوا على وداع عام واستقبال آخر كعادتهم كأنهم لا يعيشون ازمة خانقة، اذ اثبتوا مرة جديدة انهم قادرون على التكيف مع الازمات وتجاوزها وهو الامر الذي جعل بيروت قبالة حركة كثيفة مثيرة للاعجاب و«الذهول» في الاسبوعين الاخيرين مع توافد المغتربين والسياح اليها على نحو اعاد تحريك الحركة التجارية والاقتصادية في شكل ايجابي.
لكن الاجواء السياسية استعادت في اليومين الاخيرين من السنة «الراحلة» سخونة كبيرة تنذر بتصعيد يتوقع ان يكون كبيراً في الايام المقبلة على مستويات مختلفة ويعزوه المراقبون في شكل اساسي الى عودة مناخات الصدام بين سورية من جهة والمجتمع الدولي والعربي من جهة اخرى.
فالتصعيد الكلامي في الداخل اللبناني الذي كان آخره على «الجبهة المسيحية» بين العماد ميشال عون وقطبي «14 مارس» امين الجميل وسمير جعجع، تزامن على نحو واضح مع التدهور اللافت في العلاقة الناشئة بين فرنسا وسورية وانهيار الوساطة التي تولّتها باريس لضمان اجراء الانتخاب الرئاسي في لبنان. كما ان هذا التصعيد تزامن مع بداية التحضيرات لانعقاد مجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية العرب في القاهرة يوم الاحد المقبل، فيما لفت امس اعلان ارجاء زيارة مدير مكتب الامين العام للجامعة هشام يوسف، التي كانت مقررة لبيروت امس تحضيراً للاجتماع الوزاري الطارئ، الى ما بعد 6 يناير.
والواضح في هذين التطورين ان دمشق تجد نفسها في مواجهة نفاذ صبر دولي وعربي حيال موقفها من الانتخاب الرئاسي في لبنان اذ باتت في خانة الاتهام بتعطيل الانتخابات الرئاسية، وهو الامر الذي افصح عنه تماماً المؤتمر الصحافي المشترك للرئيسين الفرنسي نيكولا ساركوزي والمصري حسني مبارك يوم الاحد الماضي في القاهرة.
وفي اعتقاد اوساط سياسية لبنانية واسعة الاطلاع ان ثمة مناخاً عاد يتكون بين مجموعات الدول الغربية والعربية والخليجية المعنية بالوضع في لبنان ينذر بتجدد المواجهة مع سورية التي تبدو بدورها كأنها استعاضت في المرحلة السابقة عن المواجهة بالمباشرة مع المجموعة الدولية باعتماد اسلوب المناورة فحصلت على اعتراف ضمني بنفوذها في لبنان لكنها لم تقدم المقابل المطلوب منها وهو تسهيل اجراء الانتخابات الرئاسية واختبأت وراء مطالب المعارضة اللبنانية بقواها المختلفة.
وتلفت المصادر في هذا السياق الى ان هذا الاسلوب اثبت عقمه بدليل ان القمة المصرية ـ الفرنسية والاستعداد لعقد اجتماع وزراء الخارجية العرب شكلا رسالة واضحة وحازمة الى دمشق بأن المجتمع الدولي لا يأخذ بهذه المناورة وقد بدأت مفاعيلها ترتد على المعارضة نفسها التي وجّه اليها ساركوزي ومبارك انتقادات مباشرة من خلال انتقادها اقفال مجلس النواب، فيما بدأت تتصاعد اصوات اخرى من بينها صوت مؤثر في روسيا لرئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الروسي حمل على نهج المعارضة في تعطيل الانتخابات.
ومع ان المصادر نفسها لا تعتبر ان المواجهة قد تكون عاملاً مساعداً لتسهيل اجراء الانتخابات بل ربما تزيد تعقيدات الازمة، لكنها تلفت الى ان سورية بدورها لن تخرج هذه المرة بأي مكاسب اضافية بل ان شبح عودة العزلة والضغوط الدولية عليها يلوح بقوة، وربما يكون ينتظرها في اجتماع وزراء الخارجية العرب مواقف غير سارة على الاطلاق، مع العلم ان معلومات ترددت عن احتمال ان يشارك نائب الرئيس السوري فاروق الشرع في اجتماع القاهرة، واذا ثبت ذلك، فان رئيس الحكومة فؤاد السنيورة هو الذي سيمثل لبنان بدل وزير الخارجية بالوكالة طارق متري.
وتبعاً لذلك لم تستبعد المصادر ان يتخذ الامين العام لـ «حزب الله» السيد حسن نصرالله في مقابلة تلفزيونية ستجري معه مساء اليوم مواقف تصعيدية سبق لقوى المعارضة ان بشّرت بها وهددت بخطوات ستعتمد بعد بداية السنة الجديدة.
وقالت المصادر ان المؤشر الابرز على انسداد افق الحلول وعودة المواجهة السورية ـ الدولية على الملف اللبناني تمثل في المواقف التصعيدية المنسوبة الى رئيس «اللقاء الديموقراطي» النائب وليد جنبلاط مساء الاثنين الماضي. فمع ان مكتب جنبلاط اصدر توضيحاً تحدث فيه عن «اجتزاء» لبعض ما ورد في مقابلة الاخير مع محطة تلفزيونية ايرانية، فان الاكيد ان جنبلاط اعتمد نهجاً تصعيدياً كبيراً مرة جديدة رافضاً اعطاء الثلث المعطل في الحكومة للمعارضة «الا على جثثنا وليأخذوه بالقوة»، وعاد الى رسم شبهات حول «حزب الله» في مسألة الاغتيالات.
وتقول الاوساط القريبة من الزعيم الدرزي ان عودته الى هذا النهج جاءت بعدما ثبت لديه ان المعارضة توظف انفتاحه الاخير على رئيس البرلمان نبيه بري ولا تريد في المقابل الدخول في تسوية سياسية بل تبحث عن مكاسب هي اقرب الى جعل الغالبية تسلم كل اوراقها، وهو امر يرفضه جنبلاط الذي نادى بتسوية لكنه لن يقبل بطبيعة الحال بالاستسلام لمنطق الابتزاز خصوصاً بعدما تبين له ان كل مطالب المعارضة تستخدم كورقة تين للمصالح السورية وسعي دمشق الى استدراج الاميركيين والغربيين للتسليم مرة جديدة بنفوذهم في لبنان. وفي ضوء كل ذلك ينفتح الوضع اللبناني على صفحة جديدة من التصعيد الذي يجعل الفراغ الرئاسي مرشحاً للاستمرار مدة تفوق التوقعات.
وكانت الدوائرالمراقبة توقفت عند اعلان «الوكالة العربية السورية للانباء» (سانا) تلقي وزير الخارجية السوري وليد المعلم اول من امس اتصالين هاتفيين من الأمين العام لرئاسة الجمهورية الفرنسية كلود غيان تخللهما «بحث في سبل المساعدة الممكن تقديمها» لانتخاب رئيس للبنان، وذلك غداة اعلان ساركوزي انه اوقف الاتصالات الفرنسية مع دمشق في انتظار «افعال» تسهل انتخاب رئيس جديد في لبنان.
ورداً على ما اوردته «سانا» أفاد ناطق باسم الاليزيه انه اجري اتصال صباح الاثنين بين الامين العام لرئاسة الجمهورية ووزير الخارجية السوري لاعلامه بان الاتصالات بين البلدين توقفت وستستمر متوقفة الى ان تُظهر سورية حسن نياتها ويتم انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان يحظى بأوسع تأييد.
وقال الناطق باسم الاليزيه دافيد مارتينون «ان الاتصال الهاتفي بين المعلم وغيان يتماشى مع اعلان ساركوزي في القاهرة وقف أي اتصال بدمشق حتى تتحدّث سورية بنية طيبة وتدعم انتخاب رئيس في لبنان»، مشيراً الى ان الاتصالات بين المعلم وغيان ستتوقف.
وفي سياق غير بعيد، نُقل عن مصادر في وزارة الخارجية الفرنسية اقرارها بوجود «وثيقة تمّ الاتفاق عليها بين باريس ودمشق تضمنت أربع نقاط: تعديل الدستور اللبناني، إجراء الانتخابات الرئاسية، وتأليف حكومة اتحاد وطني من دون الدخول في نسب التمثيل، ودرس قانون انتخاب عادل»، وقالت المصادر: «لكن سورية لم تفِ بتعهداتها مع فرنسا ولم تسهّل تعديل الدستور وشعرت باريس بأن دمشق لا ترغب إلا في الفراغ الدستوري أو تغيير عمل الحكومة عبر طلب حلفائها الثلث المعطل الذي سيؤدي حتماً الى شلل العمل الحكومي عند حصول أول أزمة».
وفي المواقف، اعلن وزير الاعلام غازي العريضي «ان القيادة السورية هي التي تتحدث باسم المعارضة في لبنان ولا سيما خلال تفاوضها مع الفرنسيين