الموارنة… تاريخ نضال ومقاومة (الجزء الثالث والأخير)
روكز مزرعاني
روكز مزرعاني
في الجزء الثالث والأخير من هذا البحث التاريخي، عن نضال الموارنة منذ نشأتهم، نتمنّى من القراء الكرام أخذ العبر من تاريخ مجموعة ناضلت وقاومت، اضطُهدت وهجّرت، نجحت وأخفقت، صبرت وأقدمت…
13- الموارنة والتاريخ: نحن لا نعرف للموارنة من البطولة الفريدة، إلاّ التي عكسوا بها وجه القدر الفكري والأنظمة السّائدة.
نحن لا نعرف لهم بطولة فريدة حقّا، إلاّ لمّا عاندوا، وصمودوا وعاكسوا الأقدار…
إنّ القضيّة التي ألهَتهُم عن كلّ شيء، وجعلتهم يبحثون أوّلا عن مبدأ الحياة، كانت الحرّية. أجل، ليس لهم أمرٌ عظيم في معرض الألقاب والأمجاد ربّما… إنّما مجدهم الحقيقي كان، في أنّهم حملوا منذ خمسة عشر قرنًا قضيّة الحرّية، التي لولاها، لما كانوا يستحقّون ذكرًا في حواشي التاريخ المشرقي… لقد استحقّوا عن جدارة أن يُقال عنهم أنّهم كانوا صانعي أروع وأفضل ما في هذا التاريخ المشرقي… أيّ الحركة الكيانيّة…
من فِعل حرّية ولدوا. وفي سبيل الحرّية، ماتوا ولا يزالون يموتون كلّ يوم. إفتقروا، وفي سبيلها هجروا أرضًا واستوطنوا أخرى… من نهر العاصي، الى نهر قاديشا، الى نهر ابراهيم، الى نهر النّيل، الى نهر السِّين، الى الميسيسيبّي، الى نياغارا، الى الأمازون في البرازيل… كله كان في سبيل هذا المقصد الأوّلي في وجدانهم الحرّية.
لم يرحل شعب على مثل هذا المدى الجغرافي، كما رحل الموارنة بحثا عن مناخ حرّية. لأجل الحرّية كانت خلافاتهم ومشاكلهم مع الآخرين… لذلك كانت الضمانات التي ما برحوا يطلبونها في سبيل الحرّية. يطلبونها أوّلا من روما ومن البابا تحديدًا، وبواسطته من الغرب وخصوصًا فرنسا. يطلبونها من عصبة الأمم (بعد مجازر 1860). يطلبونها من هيئة الأمم المتحدة… ومن الجامعة العربيّة… ليس صحيحًا كما يقولون عنهم، أنّ عقدتهم التغرّب أو التعرّب (العروبة). فهم ليسوا مع اليَمين ولا مع اليَسار. عقدتهم الأولى والأخيرة، الحرّية. يرضون بالحرّية مع الفوضى، ولا يرضون بدونها مع النّظام.
قصّة الموارنة طويلة، حوالي ستة عشر قرنًا. هي أعتق السِيَر في هذا الشّرق باستمرارها وعنادها، (عناد الرّهبان). إذ ليس في هذا الشّرق أمّة، تستطيع أن تقدّم أوراق وثيقتها ممهورة بختم هذه الأجيال كلّها… الحرّية. كانت كلّما عفا لونها، يجدّدون بالدمّ صياغتها وصباغها… عقيدتهم كاثوليكيّة مرتبطة بكرسي بطرس في روما… أمّا فكرهم، فمقيّد بنظرة الى وطن حرّ، كي يستطيعوا العيش فيه بحرّية. هذا هو مختصر الستة عشر قرنًا من تاريخ هذه الجماعة العنيدة بمطالبها، الغريبة بأطوارها…
14- تأسيس الكيان الكنسي: أوّل تأسيس لكيانهم الكنسي كان بفعل حرّية. سنة 685 تقريبًا كانت إنطاكية قد سقطت بيد العرب، وكرسيها البطريركي شاغر إلا من بطريرك لها، يعيّنه الأمبراطور البيزنطي ويعيش في تَرَفِ البَلاط لا في الشدّة مع شعبه… فالموارنة حينذاك لم يوقفهم نصٌّ قانوني، ولم يستشيروا أحدًا حسب الؤرّخين، بل أجمعوا أمرهم وانتخبوا رئيس ديرهم بطريركًا على إنطاكية، بدلاً عن ضائع أو غائب… هكذا نشأت المارونيّة. كفعل اعتراض. فكانت عمليّة جبّارة ومبادرة إبداع… فعل تمرّد على الواقع والعادة، في زمن كان الخليفة هشام الأموي يقلّد البطريركيّة الإنطاكيّة لراهب أميّ إسمه إسطفان… ومن بعده مروان بن عبد الملك في الشّام، يقلّد كرسي إنطاكية للبطريرك إبن قنبره. (من أوّل عهدنا كانت لنا مشاكل مع ولاة الشّام). وبينما كان العاهل البيزنطي يفرض ضريبة تثبيت على البابا نفسه ويخلع بطريركًا ويرفع آخر، كان الموارنة وحدهم يرفضون منذ البدء هذا التّعيين باسم الحرّية. أقاموا القرار الحرّ مبدأً لعيشهم فيما بعد، ولم يبرحوا الى الآن على هذا المبدأ… حتّى أثناء الحكم العثماني، كان بطريركهم وحده لا يقبل الفرَمان من السّلطان في اسطنبول. وكاد البطريرك الحويّك أن يدفع حياته وحياة شعبه ثمنًا لهذا التمرّد على الدولة التركيّة. لقد أتوا الى جبل لبنان الأجرد، واعتصموا في جروده… أتوا إليه رهبانًا ومبشّرين، لا غُزاة وفاتحين… يَجمعون على راحات أيديهم من بين صخوره ترابًا، يزرعون فيه ما يقتاتون به من أجل حرّيتهم. ثم يجعلون لبنان مأوىً لكلّ أقليّة نبذها الشّرق الأكثري كما نبذهم من قبل… جعلوا من جبلهم لبنان شرقًا مصغّرًا يجتمع فيه الآن 18 طائفة بأحوالها الشخصيّة…
15- هويّة الكنيسة المارونيّة: كي ندرك هويّة الكنيسة المارونيّة، علينا أن نعرف كيف تفرّق أبناء إنطاكية، بعد أن أنهكت حرب الفُرس والبيزنطيّين حرب المئة سنة، الجميع. (البيزنطيّين يعني المسيحيّين في كلّ بلاد الشّرق). علينا أن نعلم ماذا خلّفت هذه الحروب وراءها، وكيف أفسحت المجال أمام الفتح العربي… وكيف جعلت القسم الكبير من سكّان المشرق المسيحي، المنتمين أصلاً الى كنيسة إنطاكية وسائر المشرق، أن يتفرّقوا في أصقاع الأرض والعمورة…
» قسمٌ من بني إنطاكية غاب ما بين النّهرين (كالكلدان والأشوريّين)…
» قسمٌ آخر غاب في فينيقيا السّاحليّة (ولو كان قليل العدد) صوب الغرب، وأسّس نوعًا من المستوطنات في فرنسا وإيطاليا، ناقلاً حضارة الشّرق للغرب من هندسة وعمار وموسيقى وإبداع…
» وقسمٌ ثالث من أهل المُدن، استسلم لإرادة الفاتح العربي من بني أميّة وبني العبّاس. (دمشق والقدس مثلاً سلّمتا تسليمًا دون مقاومة). فأصبح هذا القسم مُرتهنًا بتقلّبات أمزجة الحاكمين وأميالهم. فهم يُقيمون ويُنزلون البطاركة عن كراسيهم، وإذا خطر ببال أحد هؤلاء المسيحيّين أن يدّعي شيئًا من الحرّية والإستقلاليّة، جُدِعَ أنفه وقُطِعَ لسانه، ليعرف صغارة شأنه وحقارة وضعه. (فهو من أهل الذمّة فقط).
» أمّا القسم الرّابع من أبناء إنطاكية، الأقل عدًّا والأكثر كدًّا والأفقر يدًّا، وهو الفريق الذي يُدعى الموارنة، رفضوا حتميّة الأمور الواقعة، فلم يقبلوا بانتهاء رسالة إنطاكية. ورفضوا ثانيًا أن يُرتهن مصيرهم الى أمبراطور أو خليفة. ورفضوا ثالثًا أن تتعرّض عقيدة إنطاكية الخلقيدونيّة، لآراء الملوك البيزنطيّين الذين وصفوا أنفسهم بأنّهم مستقيمو الرّأي، لكنّهم كانوا بالفعل أكثر النّاس اعوجاجًا في الرّأي وتقلّبًا في العقيدة… ثم رفضوا رابعًا أن يرحلوا نهائيًّا عن أرض إنطاكية ولو أصبحت خرابًا، واستوطن معظمهم الجبل العاصي بعد أن أذعَن نهر العاصي الذي ولدوا على ضفافه…
16- بَلوَرة فكرة إنشاء وطن: في تلك الفترة وخصوصًا في القرن السّابع عشر، بدأت تتبلوَر عند الموارنة فكرة الوطن. وكان العالم كله آنذاك لا يعرف سوى أسلوب الحكم الإمبريالي والسّلطاني أو الإقطاعي… فكانوا ينزلون بمرحلة الى السّاحل، ويمدّون يدهم الى الدروز أوّلاً، ثمَّ الى السنّة فالشّيعة، وصولاً الى مختلف الطّوائف المسيحيّة وباقي الطّوائف، في سبيل تلك الفكرة، إقامة ذلك الوطن الفريد…. فلا عجب إذا كانوا أوّل من دعا الى فكرة القوميَّة التي وُلدَت على يدهم. هم نظَّروها وقونَنوها في مصر وباريس وأنشأوا لها من المجلاّت والجمعيّات والنّوادي… ممّا جعلهم مطارَدين مشرَّدين في سبيلها.
إنَّ القوميّة بدعة جديدة في الشّرق. كان لا يُعرف عنها شيء في زمن البابليّين والبيزنطيّين والعبّاسيّين والعثمانيّين…
لم يكن يعرفوا سوى فكرة الأمَّة. (حتّى اليوم تسمعون عند الأصوليّين والتقدميّين عبارات الأمَّة. هذه حرب الأمَّة، والأمَّة العربيّة مثلاً). إذن، لمّا استقدم الموارنة منذ ذلك الحين فكرة القوميّة الوطنيّة، قاموا بأوّل محاولة لعَلمَنة السّياسة، بإقامة دولة على أساس لغة وأرض لا على أساس عُنصرٍ ودين… وكانوا أوّل من ضَرَبَ الإقطاعيّة الإجتماعيّة مطالبين بالعدالة. وأوّل من ثار على الإستعمار الإجنبي، باسم الحرّية أيضًا.
القصّة عند الموارنة معروفة، إمّا الوجود الحرّ أو لا وجود. إنّهم صنفٌ لا ينبتُ إلاّ في أرض الحرّية. الحرّية عندهم تشبهُ المَرَض. مرضهم بالحرّية داءٌ لا يمكن شفاؤهم منه، استعصى شفاؤه عليهم. لقد عرفوا أن الحرّية تؤخذ. وتؤخذ خاصّةً ممّن يستطيع أن يعطيها. وعرفوا أن الحرّية تؤخذ ممّن عنده الحرّية واختبرها على كلّ صعيد… عرفوا أيضًا أن الحرّية تُعطى، ولكن ثمنها باهظٌ وباهظٌ جدًّا… عرفوا أنّها تُعطى من نفسهم أوّلاً… أجل دفعوا هذا الثّمن لبيزنطية، ثم لبني أُميّه، فالمماليك، فبني عثمان… الوحيدين منذ البدء الذين رفضوا أن يندمجوا في مشروع أمبراطوريّةٍ واسعة شرقيّة كانت أم غربيّة… بالمقابل رفضوا أيضًا أن يبنوا لهم كيانًا على أساسٍ قوميٍّ عنصريٍّ طائفي…
خدموا بيزنطية نعم. (وليكن معلومًا إذا كان مجهولاً)، أنّهم خدموها لا ليندمجوا فيها… خدموا العرب والعربيّة ولا يزالون، ولكن لا ليذوبوا بها… خدموا الغرب ولكن لا للإستعمار… اخترعوا القوميّات ولكن لا لينحبسوا فيها…
حدود الصّداقة والإلتزام والهَوس والمحبّة والمودّة لأحد، حدودٌ معروفة لغاية الحرّية فقط. هكذا صنعوا مع روما نفسها… جماعةٌ غريبةٌ بالإختصار. جماعةٌ شاذّةٌ عن القاعدة في هذا الشّرق. خارجةٌ عن أساليب الشّرق المأخوذة. ولا يزال طابعهم كما هو حتّى اليوم. لا يرتاحون إلاّ الى كلّ من شذّ وضعه، فأصبح مثلهم يعترض على الطّغيان مهما كان مصدره… أمّا السؤال المطروح على الشّعب اللّبناني عامّةً والموارنة خاصّةً: هل لديكم بعد قدرة على إبداع شيء جديد لحالة تعيسة جديدة نعيشها اليوم؟؟؟ أم أنّكم استنفدتم بعد أجيال من الجهاد، كلّ ما لديكم من قِوى؟؟؟ أتُراكم تخلّيتم عن عظائم الأمور وعن القضايا الكبيرة التي يحفل بها الشّرق اليوم، والتي تُطرح جميعها في آنٍ واحدٍ على ما بقيَ عندنا من وجدان وضمير؟؟؟ أصحيحٌ أنّه ليس لديكم اليوم سوى الرّحيل والهجرة أو الحياد أو الذّوبان كما نرى في بعضكم اليوم؟؟؟ الأكيد أنّكم تستطيعون اليوم مواجهة كلّ ذلك، شرط أن تتحرّروا أوّلا من ذواتكم، من إدّعاءاتكم، من عبوديّاتكم وانقساماتكم، وأن تتحرّروا من عبوديّة المال وحبّ التسلّط والكبرياء، من جشع الرّغبات المُنحرفة كأنّكم رهبان تمارسون الفقر بتجرّد والطّاعة لربّكم، وممارسة العفّة على كلّ صعيد، وأن تسعوا لتجديد كنيستكم على كافة المستويات، وأن تحدّدوا مقاصدكم وتعرفوا أنّ المسيح القائل: (إن حرّركم الإبن تصيرون أحرارًا). وحده بقيامته إيّاكم من موت أنانيّاتكم، هو رجاؤكم الأضمن في رسالتكم، وعليه وحده ينجح رهانكم في لبنان وبلاد الإنتشار… ولنا نداء آخر الى إخوتنا المسليمن: إنّ الموارنة وحدهم قدّموا للعروبة ما لم تقدّمه جماعة أخرى. لكم أنتم أيّها المسلمون وللموارنة إذا تضامنتم حقًّا في مشروع إنساني وروحاني، جعل هذا المشروع لبناني فقط من دون انحراف. وطنٌ مستقلٌ حقًّا وحرٌّ وغير مضاف ولا مضاف إليه.
إعداد: مسؤول اللجنة الإعلاميّة في القوّات اللبنانيّة (المتن – الشّمالي)
روكـــز مـــزرعـــانـــي
روكـــز مـــزرعـــانـــي