عـام الكحـل… سنـة العمى !
راجح الخوري
يسرع اللبنانيون الخطى على طريق الجنون الذي يقودهم مباشرة الى الانهيار والفوضى. باختصار انهم يركضون ركضا للانتقال من الكحل الى العمى.
وهكذا اذا كان عام 2007 قد انتهى بعدما حمل الينا كل هذا السيل من الدماء والكوارث والفواجع والهجرة يأساً وقرفا، فان سنة 2008 تبدأ مفتوحة على طوفان اضافي من المآسي التي يبدو أنها لن تنتهي قبل انهيار آخر مدماك في بناء هذا الوطن المنكوب.
طبعا لا حاجة الى القفز فورا الى الخارج، ربما لأن من الضروري والحيوي والمهم ان يتأمل اللبنانيون عموما والمسيحيون منهم خصوصا كيف بدأت السنة الجديدة وعلى أي ايقاع سياسي ماروني بالتحديد!
فقد كانت هدية رأس السنة التي تلقاها المسيحيون والموارنة منهم تحديدا تلك المقارعة المحزنة بين قياداتهم ومرجعياتهم انطلاقا من القنابل السياسية أو المفرقعات التي انطلقت أولاً من الرابية مستهدفة بكركي مباشرة.
واذا كان البطريرك صفير، وقد قيل إن مجد لبنان أعطي الى بكركي التي يرئسها، قد صلب المسيح المولود للتو لمجرد أنه حرص على عدم وقوع البلاد في الفراغ الكامل ووافق على ان تقوم الحكومة بممارسة الصلاحيات المنوطة بها وفق الدستور، فانه لم يكن يظن لوهلة ان الجنرال ميشال عون سيقيم له “محاسبة” سريعة، حيث استكثر عليه ان يأخذ هذا الموقف المسؤول والضروري لتسيير مصالح الدولة والناس!
نعم بدأت سنة 2008 بكارثة معنوية وسياسية ومارونية تحديدا، عندما قرأ الناس كلام عون: “هل غبطة البطريرك منتخب من الشعب؟ نحن المسؤولون تجاه الشعب واذا كان الامر كذلك فليس لغبطته ان يقرر عنا، وليتفضل (لاحظ كلمة “يتفضل” وما تنطوي عليه ضمنا) ويبرر لنا الموضوع أو يطرحه للرأي العام… وان هذه الازدواجية التي نعيشها اليوم يجب ألا تدوم، وعلى المسيحيين اختيار مرجعيتهم المسيحية والسياسية وليس للأقلية المسيحية ان تعطّل أكثرية تفوق ثلثي المسيحيين”!
إذاً مفهوم. ليس لبكركي ما يتجاوز “أبانا والسلام”. ولأن صفير ليس منتخبا من الشعب (مرحبا أيها الشعب) فليس له ان يقرر شيئا. لا بل عليه أن يتفضل ويبرر لعون الموضوع، ولا ندري كيف يراد لهذا التبرير ان يتم. هل يتم في عظة خاصة لمن يتعظ طبعا. أم في بيان شرح واعتذار مع ختم بطريركي وقليل من البخور؟
أما حديث عون عن “الازدواجية” التي يجب ألا تدوم، فليس هناك من يدري المقصود منها. هل المقصود أن نقفل أبواب بكركي في وجه السياسيين والمواطنين وان نحولهم على الرابية ومن فيها، أم ان المطلوب إرسال الغفّارات والمباخر والاناجيل وكل ما في السكرستيا الى كرادلة السياسة وبطاركة الوطنية المتحلقين حول عون في كاتدرائية الاصلاح والتغيير؟
طبعا لا داعي الى الاجوبة. ولكن عندما يصل لبنان وموارنة لبنان الى درجة إطلاق كلام هو في مستوى “مذكرات الجلب” بحق بطريرك بكركي، فليس كثيرا على المراقب (ولو كان أرثوذكسيا طالبا السترة مثلنا) ان يرى كأن في الامر فاجعة كبيرة تصل الى المسيحيين في رأس السنة، وخصوصا عندما يصبح المقام البطريركي مطالبا بـ”التبرير” وكيف يسمح لنفسه بأن يقرر عن “حبر السياسة الاعظم” في اطار ازدواجية يجب ألا تدوم؟!
ولعل المثير ان عون الذي يطالب دائما الاقلية المسيحية (والاقلية هنا كانت من الماضي الغافل كما أثبتت انتخابات المتن الفرعية) بعدم تعطيل الاكثرية المسيحية، ينسى ان الأقلية اللبنانية على المستوى الوطني تعطل البلاد والعباد وتكاد تمعن في تعطيل الاكثرية وقد وصل التعطيل هنا الى مستوى تمريغ الدستور بالوحول، حيث بات الحديث الآن اكثر وضوحا عن المثالثة بدلا من المناصفة ربما حرصا على استرجاع حقوق المسيحيين… وآه يا مار مارون!
وبرغم التراشق الدائر الآن بين دمشق وباريس حول تعطيل تسوية الازمة القاتلة في لبنان، وما كُشف في سياقه من الوقائع والتفاصيل التي أعلنها الوزير وليد المعلم أمس، لم يتنبه أحد مثلا في صفوف النشامى الى أن الشروط والحصص والاوراق والاقتراحات والنقاشات والأخذ والعطاء في المسألة اللبنانية انما تتم في معزل كلي عن الجنرال عون الذي أعلن انه يمثل المعارضة في المفاوضات، فاذا بالامور تدور في الخارج وتتعقد في الخارج، بينما نحن ننخرط في خلافاتنا الداخلية ونستكثر في البطريرك الماروني ألا يمانع في ان تقوم هذه الحكومة وسط فراغ رئاسة الجمهورية وتعطيل مجلس النواب، بتسيير أمور الناس، برغم أن عون ساهر على اقامة الحساب لكل ما قد يتنفس به أهل السرايا!
ربما لهذا السبب اكتفى بيان مجلس المطارنة الموارنة الصادر امس بالحديث عن “الجو البغيض وما يتخلله من تراشق حاد بين أهل السياسة” وكذلك عن “سعي أهل السياسة الى مصالحهم الخاصة”، ليستنتج بالتالي:
“إن التاريخ لن يرحم. وكل الذين يتسببون بمنع الحلول المرتجاة من بلوغ أهدافها، دولا كانوا أم أفرادا، مسؤولين في لبنان وخارجه، سيبقى اسمهم مقترنا بالمآسي التي يقاسي منها الشعب اللبناني”.
ولكن الاحبار في بكركي يعرفون تماما ان أولئك الذين أشاروا اليهم على ان اسمهم سيبقى مقترنا بالمآسي لم يتوقفوا ولن يتوقفوا عند التاريخ ورحمته، بل انهم ينتعلون هذا التاريخ ولكأنه حذاء من مطاط!