#adsense

استقلاليون وضد الحرب الأهلية

حجم الخط

استقلاليون وضد الحرب الأهلية

جورج ناصيف

  

رغم الذعر الذي يشيعه فينا الاحتقان الشعبي السني – الشيعي (حادثة البسطا مثالا).
رغم الغضب الذي يتملكنا من الكلام الناري المستقبح، سواء ما يصدر عن مرجعيات سياسية او وجوه دينية او سياسية – دينية (نموذج الشيخ محمد علي الجوزو والشيخ المصري)،


رغم الانقطاع الحاد في العلاقات بين القيادات المارونية، واندفاع الجنرال ميشال عون في استخدام لغة في مخاطبة بكركي لا تنم عن اجلال لهذا الموقع الوطني الذي لا يزال يعلو على السياسة ويجسد دورا استقلاليا مشهودا،
رغم القلق العميق في الوسط المسيحي خصوصا من تراجع البعض، اسلاميا ومسيحيا، عن الثوابت المكرسة في الصيغة الوطنية، لجهة فلسفة الكيان اللبناني،


رغم المناخ الاقليمي والعربي الذي يشي باحتدام في العلاقات السياسية (والامنية؟) ينعكس حتما على المكونات الطائفية في الاجتماع اللبناني،
… ما زلنا راسخين في اعتقادنا ان لا بديل من الصيغة السياسية للعيش المشترك، تلك التي جوهرها الاعتدال والوسطية والبحث عن الجامع والمشترك.


ليس ذلك شعرا، او من باب الوفاء لما نشأنا عليه من صورة لبنان، وذلك لثلاثة اسباب:


– ان لا بديل من التعاقد الاجتماعي – السياسي، سوى الاحتراب والانفصال وانتشار المحميات الطائفية التي لا تحمي احدا في الاساس.


– ان التصادم الاقليمي والعربي سيؤول في نهايته، الى لون من الوان التسوية، بعد تعديل موازين القوى، وبعد ان يكون لبنان قد استخدم ساحة نزال تدمّر كيانه ودولته؛ فيندم اللبنانيون بعد فوات الاوان.


– ان عموم اللبنانيين، رغم الخيبة الموجعة من تجربة لبنان الحديث، ما زالوا يختارون اساسيات هذه التجربة التي يعرفون، في ساعة هدأة وتبصّر، انها كانت سببا في ازدهار بلادهم. فذكريات العيش المشترك ومنافعه ليست عابرة او عديمة الحضور في وجدانهم الجماعي.


هذا الولاء للبنان السيد، الحر، الخصب حضاريا، القادر على ادارة تنوعه، هو ما فجّر ثورة الاستقلال التي يجب ان نذكر، في هلة السنة الجديدة، انها ساوت وتساوي وجودنا. انه الحلم الذي لن نبيعه لنشتري سكينة بليدة، رغم ما تكسّر وتشوّه وانقطع وافسدته البنى الطائفية والولاءات الحزبية والمناطقية والانتهازيات الفاقعة.


حلم 14 آذار كان اكبر من احزابها وشخصياتها وسياساتها واسخى وابهى واكثر بياضا. وهو الحي الباقي.
لذا، فان احباطنا، واحباط الاستقلاليين من ممارسات جبهة 14 آذار، وابصارنا مواقع النقص والزلل والتناقض والتردد والمراوحة والانتهازية في تجربتها، ليست سببا في الانسحاب من المعركة الاستقلالية، والتفرج على مجرياتها بحيادية كذوب، بل هي الدافع الى انخراط اشد وعيا وحكمة وصلابة، وقدرة على التمييز بين المرتجيات الاخيرة والانفعاليات العابرة.


استقلاليون وتسوويون، في آن واحد.
استقلاليون، ونصالح بين الحلم والواقع.
استقلاليون، ونعرف متى نندفع ومتى ننكفئ.
استقلاليون، ونقر بأن المستقبل لا نصنعه وحدنا، بل ثمة شركاء في الوطن لا يشاركوننا قراءتنا وصبواتنا وحساسياتنا.
استقلاليون، وندرك حدود قدرتنا على التغيير، في واقع معقد، سياسيا وامنيا وطائفيا.
استقلاليون، ونفتش عن اوسع مروحة تحالفات، ولو لم تكن مستطابة.


استقلاليون، ونضع الازهار على ضريح سمير قصير وضريح الشيخ بشارة الخوري في آن معا. فكلاهما، في لحظة سياسية مختلفة، كان ينحاز الى دور ريادي للبنان، متميز عن محيطه ومنخرط فيه، في آن معا.


استقلاليون، لا يلطّف من شبقنا بالاستقلال، سوى رفضنا الحرب الاهلية، وتحاشي اي سلوك سياسي يقود اليها.
فلبنان، كما هو، بكل بشاعاته، بكل قصوره عن اشباع احلامنا، خير من الحرب الاهلية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل