#adsense

مواجهة داخلية قبل التسويات الخارجية؟

حجم الخط

مواجهة داخلية قبل التسويات الخارجية؟

صلاح سلام


يبدو أن على اللبنانيين أن يستعدوا لما هو أسوأ! ليس ثمة ما يوحي أن السنة الجديدة ستكون أفضل من سابقاتها الأخيرات· بل لعل الأيام والأسابيع المقبلة ستكشف أكثر فأكثر مدى تداخل الخارجي مع الداخلي، وحجم التشابك والتعقيد بين الأزمة اللبنانية وبقية الأزمات الإقليمية وحتى الدولية!


ولأن الحوار بين الإقليمي والدولي، أي بين دمشق وطهران من جهة، وواشنطن من جهة ثانية مقطوع، سيبقى الحوار اللبناني – اللبناني ممنوع، وطالما بقي التفاهم الخارجي غائب، سيبقى التوافق اللبناني مغيّب، وطالما بقيت العلاقات بين الأطراف المتصارعة على النفوذ في المنطقة متوترة، سيبقى التوتر، إذا لم نقل أكثر، هو سيد الموقف على الساحة اللبنانية!

 

ليس هذا الكلام وليد نظرة تشاؤمية معينة، بقدر ما هو قراءة سياسية موضوعية لمجريات الأحداث والتطورات المتلاحقة عندنا وحولنا، وبالتالي حتى نستدرك، نحن المواطنين المغلوب على أمرهم، ما يجب علينا استدراكه في مواجهة المرحلة الصعبة المقبلة على البلاد والعباد! لقد أصبح واضحاً للجميع، ودون لبس وإبهام، أن لا إنتخاب للرئيس التوافقي ولا تشكيل لحكومة وحدة وطنية، أو اتحاد فيدرالي لا فرق عند البعض!!، إذا لم تحصل المعارضة على الثلث المعطل، أو الثلث المُسقط كما أسماه الرئيس أمين الجميل، مع كل ما يعني ذلك من وضع يد الأقلية على مقاليد الحكم عنوة، ورغم أنف الأكثرية وحلفائها، ونكاية بكل مقاييس الأنظمة الديمقراطية في العالم·

 

وكلام القطب الماروني المعارض سليمان فرنجية في هذا الإطار، واضح وصريح ومباشر، لا يحتاج الى تبرير أو تفسير، ولكنه وضع حداً حاسماً لكل السفسطة الدستورية الدائرة حول آلية تعديل الدستور، لانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، وأعلن بما لا يقبل الشك أن المعارضة لا تعوِّل على انتخاب مرشحها السابق، ومرشح فرنجية نفسه سابقاً، بقدر ما يهمها، أي المعارضة، الحصول على الثلث الكامل في الحكومة العتيدة، ضماناً للمشاركة·· وتحقيقاً لمآرب أخرى، عندما تدعو الحاجة لاحقاً ليس الى تعطيل الحكم فقط، بل الى إسقاط الحكومة برمتها من خلال “الضربة القاضية” باستقالة ثلث أعضائها الممثلين للمعارضة!

 

ماذا يعني سياسياً هذا الإصرار من المعارضة على الثلث المعطّل؟ بعيداً عن لغة الشعارات وأساليب المزايدات، إن إعطاء الأكثرية ثلث الحكومة للأقلية النيابية، يعني عملياً تسليم زمام المبادرة في إدارة السلطة للمعارضة، ثم، وهذا هو الأدهى والأخطر، وضع مصير الحكومة في أيدي الأقلية النيابية، التي لا تستطيع إسقاط الحكومة في مجلس النواب بتأمين الأكثرية النيابية المطلوبة لنزع الثقة عن الحكومة وإسقاطها، فتعمد المعارضة الى الإمساك بمصير الحكومة، استمراراً أو إسقاطاً، من خلال الثلث في مجلس الوزراء لأن استقالة ثلث الوزراء تعني دستورياً استقالة الحكومة كلها!!

 

المعارضة، إذن، التي أقفلت أبواب مجلس النواب وعطّلت السلطة التشريعية عنوة على كل نص دستوري، تريد الإمساك بزمام السلطة التنفيذية وتعطيلها في الوقت المناسب، وتعرية الأكثرية النيابية من كل أسلحتها السياسية، ليسهل بعد ذلك توجيه الضربة للأخيرة لمكونات فريق 14 آذار، وإسقاط المبادئ والقيم التي كانت على أساسها ثورة الأرز!!

ولأن قوى الأكثرية تدرك خطورة المعركة الشرسة التي تخوضها الأقلية، على حساب استقرار الوطن وأمن المواطن، للانقضاض على السلطة بعيداً عن الممارسات الديمقراطية الصحيحة، فهي ليس أمامها إلا الصمود في مواقفها السياسية والشعبية، والتصدي لمحاولات التسلط على السلطة عبر الحركات الغوغائية والتخريبية في الشارع···!

 

ويبدو أن استنفاد مساعي التسوية السياسية، وسقوط التفاهمات الواحد تلو الأخر، في دوامة العقد المفاجئة التي كانت تطرحها المعارضة بعد كل تفاهم، فتح أبواب عودة الأزمة الى الشارع من جديد على إيقاع التهديدات التي يطلقها بعض المعارضين ملوّحين بالثبور وعظائم الأمور، تحت شعار إسقاط حكومة السنيورة!! إن تنفيذ تهديدات المعارضة، باحتلال المرافق العامة، وتعطيل حركة المطار، وقطع الشوارع، وحرق الدواليب في الزوايا والساحات، وما يجرّه كل ذلك من تداعيات، من شأنه أن يعيد “نار جهنم” الى الشارع من جديد، حيث سيكتوي بنيرانها الأبرياء من أهل الأكثرية والأقلية، الباحثين عن لقمة عيشهم، وستؤدي الى سقوط مئات الشباب ضحايا من الجانبين، نتيجة مثل هذه التصرفات الهوجاء التي ستخرّب ما تبقى من صمود الوطن والمواطن، ولن تنفع أصحابها في تحقيق أي إنجاز حقيقي على الأرض·

 

ولا ندري لماذا لا تكون عبرة أحداث يومي 23 و25 كانون الثاني الأسودين عبرة للجميع، خاصة للمعارضة، على اعتبار أن المؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين، أولاً، ولأن الجرّة لا تسلم في كل مرة خاصة في ظل مناخات التعبئة والشحن التي تكاد تخنق الشارع بضفتيه في 14 و8 آذار، وتضع ليس قيادات الأكثرية والمعارضة وحسب على برميل بارود، بل وأيضاً تضع مصير البلد في أيدي الاطراف الخارجية المتصارعة في المنطقة، والتي أعادت الوطن الصغير ساحة لتصفية الحسابات بينها·

والمفارقة اللافتة في تداعيات الأزمة المتمادية، تتمثل بعجز الفريقين المتواجهين في خندقي الاكثرية والمعارضة، على حسم المعركة لصالح أي منهما· وهذا العجز أصبح واقعاً داخل المؤسسات الدستورية كما هو أصبح واضحاً في الشارع ايضاً بعد ما تبين أن لكل شارع شارع مقابله، وأن لكل طريق مثيل له في مناطقه· وأن الانقسام العامودي في الطوائف والمناطق خلق نوعاً من “توازن الرعب”، رغم كل ما يقال عن تفوق طرف على آخر بالسلاح أو الرجال أو الأموال!

“وتوازن الرعب” يفرض على القيادات الحكيمة والمتبصرة عدم اللجوء الى اختبار جديد للشارع، لأن الاختبارات السابقة كادت تجر الكوارث والويلات على الجميع، دون أن يخرج منها أحد منتصراً·

 

فلماذا العودة الى الخيارات المرة والخطرة من جديد، طالما أنه ممنوع الخروج على صيغة “لا غالب ولا مغلوب” كما أكد بيان الخارجية الروسية الواضح في تعابيره وفي أهدافه؟

 

لقد أثبتت تجربة الأشهر الصعبة الماضية، على سوادها، أن الحفاظ على الهدوء في الشارع، وإبقاء الخلافات والسجالات في إطارها السياسي المحض، يحفظ ما تبقى من الاستقرار في البلد ويحمي أهله في أرواحهم وممتلكاتهم، وأن أية محاولات لاستنفار الشارع واستفزاز الآخرين من جديد، يعني الوقوع في الفتنة، وتحريك نار جهنم الطائفية والمذهبية من جديد، واستعادة لمشاهد عصر الميليشيات وحروب “التحرير” و”الإلغاء” ومواجهات 23 و25 كانون الأسودين· ولا نخال أن العناد والغرور، مهما بلغا سيدفعان بعض القيادات في المعارضة الى فوضى تجربة انتحارية جديدة، وصولاً الى كسر قاعدة “لا غالب ولا مغلوب”· لبنان كان وسيبقى وطن التسويات·

 

وعلى كل من في الداخل أن ينتظر التسويات، أو الصفقات، بين أطراف الخارج، حتى تِفتح أبواب الحلول كلها، ودفعة واحدة، بقدرة قادر··!! فهل ثمة من يستعجل المواجهة الداخلية·· قبل الوصول الى التسويات الخارجية·

أم ثمة من يريد المواجهة الداخلية سبيلاً للتوصل الى التسويات الإقليمية – الدولية، على حساب المصير والمستقبل والمصالح اللبنانية؟!! 

المصدر:
اللواء

خبر عاجل