“استعادة الصلاحيات” خط أحمر… اسلامي !
سركيس نعوم
اظهر الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في مقابلته التلفزيونية ليل الاربعاء الماضي انه القائد غير المنازع للمعارضة اللبنانية المكونة من فريق 8 آذار ومن “التيار الوطني الحر” رغم ان كثراً من اللبنانيين يعتبرون الاثنين واحداً. واذا كان أحد لا يشك في قيادته لمكونات 8 آذار لاعتبارات عدة اهمها ان معظم الطائفة الشيعية يشكل العمود الفقري لها وان “حزب الله” يشكل العمود الفقري لهذه الطائفة مع الاحترام الكامل لحركة “امل” وزعيمها الرئيس نبيه بري، وان مكوناتها الاخرى غير الشيعية من سنية ومسيحية وحزبية لا تملك المقومات العملانية والشعبية التي تمكنها من تولي القيادة، فان قيادته لـ”التيار الوطني الحر” قد تثير بعض التساؤلات والاشكالات كون الاخير اي “التيار” قدم نفسه شريكاً لـ”حزب الله” بل لفريق 8 آذار كله مساوياً له في الشعبية والتمثيل والقوة في اوساط المسيحيين.
ما الذي أوحى في كلام السيد نصرالله انه قائد لـ8 آذار وحليفه “التيار الوطني الحر”؟
ما أوحى هذه القيادة كان جواب الامين العام لـ”حزب الله” ردا على سؤال على مطالبة “التيار الوطني الحر” وزعيمه العماد ميشال عون بتعديل نصوص دستورية بغية استعادة الرئاسة المسيحية (المارونية) للجمهورية اللبنانية وهجها وتالياً فاعلية الوجود المسيحي في لبنان وفي صيغة نظامه، فقد كان الجواب نفياً كاملاً لأي نية لدى المعارضة لتعديل الدستور باعلانه انه “راجع” في هذا الامر وتبين له ان ما قصده العماد عون كان تفسير النصوص الدستورية المقصودة لا تعديلها او تغييرها. علماً ان ما قاله في هذا الشأن وما قصده زعيم “التيار” مثبت في وسائل الاعلام ومعروف لدى اللبنانيين. وما اوحى القيادة نفسها كان قول السيد نصرالله، وإن بعد تردد لم يتجاوز الثانية، ان المعارضة ستبقى مصرة على حكومة الوحدة الوطنية وعلى الثلث الضامن فيها في رأيه والمعطل في رأي الغالبية حتى وان رسا التوافق مع المعارضة والموالاة على انتخاب الحليف او الشريك العماد ميشال عون رئيساً لجمهورية لبنان.
طبعاً لا ترمي اثارة هذا الموضوع الى دق إسفين بين “التحالف” القائم بين “حزب الله” و8 آذار عموماً وحتى “التيار الوطني الحر” كما قد يتبادر الى اذهان البعض، ولا ترمي ايضاً الى اثارة الشكوك في نيات المسلمين الشيعة في لبنان والمعارضة عموماً حيال المسيحيين ودورهم في لبنان والذي اعتبر العماد عون أن اتفاق الطائف همّش دورهم الى حد بعيد عبر تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية المسيحي، بل ترمي الى لفت “الجنرال” الوطني حيناً والقومي حيناً آخر والعلماني حيناً ثالثاً واللاطائفي حيناً رابعاً والمسيحي في كل حين والمعتبر نفسه منقذاً الى ان ميزان القوى الديموغرافي في البلاد، اي العددي، ومعه ميزان القوة العسكري لم يعد يسمح للمسيحيين بأن يكون للبنان رئيس منهم يحكم فعلا كما يحكم رؤساء الجمهورية في الدول الاسلامية العربية وغير العربية اياً تكن صفاته وصدق نياته وارتباطه بالفكر القومي او بالفكر الاسلامي – القومي. وعون يريد ان يكون رئيساً كهؤلاء اذا وصل الى بعبدا، او ان يكون مثلهم من يصل الى هذا الموقع لتعذّر وصوله هو. ولكي يكون الكلام منصفاً لا بد من الاشارة الى ان موقف المسلمين من اخصام “التيار” وزعيمه في هذا الموضوع لا يختلف عن موقف المسلمين الذين معه، علما ان الفريقين المسلمين الكبيرين قد يكونان راغبين في بعض تفسيرات وتوضيحات تشعر الرئيس المسيحي بدوره المهم، وتطمئن الجمهور المسيحي الى مستقبل الدور والوجود. لكن ذلك لا يعني انهما يرغبان في استعادة تجربة الجمهورية التي سبقت الطائف بنحو 48 سنة والتي كانت فيها للرئيس المسيحي صلاحيات مطلقة حتى بعد تأكّلها مع الوقت بسبب الكثير من الحوادث والتطورات المحلية والاقليمية والدولية المعروفة.
هل الهدف من هذا الكلام شحن المسيحيين عموماً وتحريض “التيار” ومسيحييه على حلفائه المسلمين بل على المسلمين عموماً ودفعه الى توحيد الصف المسيحي لمواجهة كل هؤلاء؟
طبعاً لا. فالوحدة داخل كل طائفة تعني الاستعداد لمواجهة طائفة او طوائف اخرى. والمسيحيون لم يعد في استطاعتهم خوض مواجهة كهذه بعد خسارتهم حرباً استمرت نيفاً و15 سنة وكان يوم خسارتها العماد عون زعيمهم شبه الاوحد. في حين ان فكرة المواجهة تراود كثيرين داخل الطوائف الاخرى او معظمها وخصوصاً في ظل تدخل الخارجين الاقليمي والدولي فيها وفي لبنان كلا. هذا الواقع يجعل حماية المسيحيين ودورهم من اللبنانيين الآخرين ومن دور جسر الحوار والتفاعل بين الطوائف اللبنانية الاخرى ما يجب ان يقوموا به. ولكن هل سيقومون به؟ لا احد يعرف، علما ان سوابقهم لا تشجّع على ذلك وهم اقتتلوا في السابق لخلافات سياسية واخرى شخصية. ولا شيء يمنع اقتتالهم اليوم لحسابات شخصية وبتحريض من خارج متنوع حاقد. كما انهم ساهموا، وعن قصد ربما، في إنهاء دور البطريركية المارونية او ربما في تقريبه من الانتهاء. وتجرأ بعضهم عليه عام 1989. وعاد هذا البعض الى التجرؤ عليه الآن وبدعم مسيحي شعبي واسع خدمة لاغراض شخصية ومصالح سياسية تتعدى مصلحة المسيحيين ومصلحة لبنان الوطنية. هذه البطريركية التي قادت معركة استعادة استقلال لبنان من سوريا بعدما حرر “حزب الله” بدعم من حلفائه السوريين والايرانيين الاراضي اللبنانية المحتلة من اسرائيل، ارتكبت اكثر من خطأ في السنوات الثلاث الماضية كان ابرزها اثنان. الاول، منع 14 آذار عام 2005 من اسقاط رئيس الجمهورية. والثاني، الامتناع عن التصدي لكل من يعمل جاهداً لتقليص دورها من المسيحيين، علما ان التساهل في هذا الامر كان ممكنا لو كان قصد هؤلاء توسيع الديموقراطية عند المسيحيين وفي لبنان ودفع الاخير نحو وضع علماني او لاطائفي.