لمـن التصـفـيــق ؟ !
راجح الخوري
على الطريقة الظريفة المعروفة بالقول: “يا ربي تجي في عينو”، بدأ اطلاق النار في بيروت على المؤتمر الطارئ لوزراء الخارجية العرب الذي سيعقد يوم الاحد المقبل، بدعوة من المملكة العربية السعودية ومصر والذي ذكرت الانباء انه قد يكون مناسبة لاطلاق مبادرة سعودية – مصرية مشتركة لحل الازمة المتمادية في لبنان.
يقول وزير الخارجية السوري وليد المعلم انه سيصفق اذا نجحت هذه المبادرة في حل الازمة اللبنانية. لكن من الواضح تماما، ومنذ الآن، انه لن يحتاج الى عناء ذلك التصفيق الذي قد يكون محرجا لاسباب ليست خافية على احد.
لن يحتاج الى التصفيق لان قوى اساسية في المعارضة سترفض هذه المبادرة جملة وتفصيلا، ليس لانها تأتي من القاهرة والرياض مباشرة بعد فشل المفاوضات الفرنسية – السورية في ايجاد مخرج للأزمة فحسب، بل لان المبادرة المذكورة والتي لم يظهر شيء من محتواها وتفاصيلها بعد لن تتبنى بالضرورة وجهة نظر المعارضة اللبنانية في شرطها الثابت الذي يقول:
هناك مدخل واحد الى انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية هو ضمان حصول المعارضة سلفا على الثلث المعطل في الحكومة وعلى مجموعة من الاجراءات والضمانات المتصلة بالتعيينات العسكرية!
وقياسا بموقف الاكثرية الذي عبّر عنه قادة 14 آذار وكان آخرهم النائب وليد جنبلاط الذي رد على السيد حسن نصرالله اول من امس بالقول: “ان من غير الممكن اعطاء الثلث المعطل لسوريا وايران ولو على جثثنا”، فان من غير المعقول تصور وجود مبادرة مشتركة بين القاهرة والرياض تقوم على مبدأ التسليم بقصة الثلث الضامن او المعطل.
وعلى هذا الاساس ربما من حق وليد المعلم ان يقول باطمئنان استباقي انه سيصفق اذا تمكنت السعودية ومصر من وضع حل للأزمة، ولا ينسى طبعا ان يستطرد بالقول اذا كان مطلوبا من سوريا ان تضغط على المعارضة تسهيلا للحل، فلماذا لا يكون مطلوبا من دول عربية اخرى ان تضغط هي على الاكثرية لتسهيل الحل عبر قبول مبدأ الثلث المعطل الذي يمكن ان يشكل “صيغة لا غالب ولا مغلوب في لبنان”(!) والمقصود هنا السعودية ومصر!
ولكن هذا الامر يحتاج الى قليل من التصويب، لان مبدأ لا غالب ولا مغلوب لا يستقيم من خلال اعطاء المعارضة الثلث المذكور الذي يمكن ان يشكل “سلاحا” لدفع الحكومة الى الاستقالة باستقالة ثلث اعضائها كما ينص الدستور، بل يستقيم من خلال ارساء مبدأ المساواة بين الاكثرية والمعارضة. ولعل المثير هنا ان الاكثرية هي التي تقبل بهذه المساواة رغم انها الاكثرية لا بل انها هي التي تقترح المساواة كمدخل الى الحل والتفاهم!
والمساواة في هذا السياق تعني حرمان الاكثرية من امتلاك الثلثين المقررين في الحكومة بمعنى عدم حصولها على عدد من المقاعد الوزارية يسمح لها بالتفرد والاستئثار بالقرار، وفي المقابل تعني حرمان المعارضة من الثلث المعطل، واعطاء رئيس الجمهورية حصة ترجيحية من المقاعد الوزارية، بما يتيح له ان يكون كما ينص الدستور، حكما وسقفا يمنع الاستئثار ويمنع التعطيل ويقيم جسرا للالتقاء والحوار بين الاكثرية والمعارضة، وهو ما يسمح عمليا باطلاق ورشة حوار حقيقي على المستوى الوطني، او لنقل انه يمكن ان يكون حوارا تأسيسيا للحل وللمستقبل، حيث يمكن ان يشكل الحلقة الثانية من الحوار الوطني الذي اداره الرئيس نبيه بري في القصر الجمهوري هذه المرة.
ان هذه الصيغة هي وحدها التي يمكن ان توفر ترجمة موضوعية لمبدأ لا غالب ولا مغلوب الذي يمكن ان يشكل مخرجا من دائرة الازمة المستعصية والقاتلة المصرة على شعارات صلبة قد تقودنا جميعا الى الوقوع في الفوضى وما يمكن ان ينتج عنها من “شر مستطير” طالما اشار اليه بري.
يقول الامين العام لـ”حزب الله”: “كلنا متفقون على العماد ميشال سليمان، فهيا نتفاهم على اساسيات تكوين السلطة. واذا لم نستغل هذه الفرصة التاريخية التي نحن امامها اليوم وبقينا نعتمد على الدعم الخارجي فهذا لا يحل الأزمة، ولكم في العراق وفلسطين وباكستان وافغانستان أسوة”.
صحيح، ولكن ما الذي يمنع من قبول مبدأ المساواة بين “عدم الاستئثار” و”عدم التعطيل”، بحيث نترك للعماد ميشال سليمان الذي يحظى باجماع محلي وعربي ودولي، ان يتولى ترتيب مساحة الحوار انطلاقا من السلطة التنفيذية، وخصوصا ان المأساة في لبنان ليست ماثلة في غياب التسليم بمبدأ المشاركة في الحكومة كما في كل شؤون البلاد، بل في غياب الثقة غيابا كليا والى ما تحت مستوى الصفر بين الاكثرية والمعارضة، وهذا امر ليس له ما يبرره على الاطلاق، اذا كنا نريد جميعا الانزلاق الى الفوضى والحروب الاهلية العبثية من جديد.
وفي عودة ضرورية الى اجتماع وزراء الخارجية العرب يوم الاحد المقبل، نقول تكرارا ان الوزير المعلم لن يحتاج الى عناء التصفيق للسعوديين والمصريين، لان القصف العشوائي على المبادرة المشتركة سيتصاعد في بيروت خلال اليومين المقبلين، رغم كل ما سبق ان بذلته المملكة على اعلى مستويات القيادة فيها لمعالجة الازمة ومنذ ما يزيد على عام كامل، حيث من المعروف ان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله اهتم على مدار الساعة بقضية لبنان على مستويين: اولاً محاولة ترتيب الامور ودفع اللبنانيين الى التفاهم، وثانيا التنسيق على اعلى مستوى مع ايران لمنع قيام الفتنة بين الاشقاء اللبنانيين.
واذا كان السفير السعودي د. عبد العزيز خوجه قد امضى العام الماضي راكضا وبوتيرة يومية متواصلة بين القادة اللبنانية مشجعا على التفاهم وانهاء الازمة وبتوجيه متلاحق من الملك عبدالله، في وقت تلاحقت فيه الزيارات والمشاورات على خط الرياض – طهران، فان السفير المصري السابق حسين ضرار بذل بدوره جهودا مضنية بتوجيه من الرئيس حسني مبارك وفي الاتجاه عينه.
والآن واذا كانت اميركا قد تراجعت وكلفت الفرنسيين معالجة الازمة عبر التفاوض مع السوريين، حيث انتهت الامور الى جدار مقفل كما بدا اخيرا، فان الرياض والقاهرة لا تريدان ترك لبنان نهبا لمصير بائس ومؤذ يُخطط له بل ترغبان مرة اخرى في القول والاثبات ان لبنان “مسؤولية عربية” كما أُعلن عندما زار عمرو موسى مع وفد من الوزراء العرب بيروت سابقا، سعيا الى حل لم تتجاوب معه المعارضة كما يتذكر الجميع!
ولكن دمشق، ولاسباب تاريخية وعقائدية على الاقل، ترى ان لبنان يجب بالضرورة ان يكون “مسؤولية سورية” فقط لا غير، وهي التي قامت على ادارته عقدين من الزمن.
ولكن دمشق، ولاسباب تاريخية وعقائدية على الاقل، ترى ان لبنان يجب بالضرورة ان يكون “مسؤولية سورية” فقط لا غير، وهي التي قامت على ادارته عقدين من الزمن.
ربما لهذا السبب يعرف الوزير المعلم انه لن يكون محتاجا الى التصفيق، وخصوصا مع بدء القصف العشوائي الذي بدأ في بيروت، حتى قبل ان يعرف البعض اذا كان هناك فعلا مشروع سعودي – مصري للحل، وما هي محتوياته.
المهم: “يا ربي تجي في عينو”!