للأكثرية شروط أيضاً!
بقلم النائب مصطفى علوش
بقلم النائب مصطفى علوش
لقد أسمعت إذ ناديت حياً……ولكن لا حياة لمن تنادي…..ظهر في أدبيات العلوم السياسية في العقد الماضي تعبير جديد سمي “السلطة اللطيفة” وهو مصطلح وضعه استاذ في جامعة هرفرد العريقة اسمه “جوزيف ناي” وطوره لاحقاً في كتاب أصدره سنة 2004 تحت عنوان “السلطة اللطيفة: وسيلة للنجاح في السياسة الدولية”. وتتمركز هذه النظرية، التي لم يتم نقضها حتى الآن، على أهمية الثقافة والقيم الانسانية والأفكار الخلاّقة على التأثير على الآخرين، في مقارنة واضحة مع “السلطة القمعية” والتي تعتمد أساساً على منطق الإجبار والضغط على مختلف المستويات العسكرية والاقتصادية والديبلوماسية.
ولا يجب الخلط هنا بين مبدأ “السلطة اللطيفة” ومبدأ الدعاية الديماغوجية التي تعتمد عادة على مختلف أنواع التضليل والشعبوية، في حين أن مبادئ السلطة اللطيفة تعتمد على المصداقية والموضوعية والبحث العلمي.
في استطلاع للرأي محصور بمتصفحي الانترنت، كانت النتيجة أن هذه العينة قسمت انتماءها السياسي بالتساوي: ثلث للأكثرية، ثلث للمعارضة وثلث حيادي.
وهذا يعني عملياً أن القاعدة التي استندت اليها قوى 14 آذار منذ بداية ثورة الأرز قد تقلصت إلى نصف ما كانت عليه بخسارة الثلث الذي أصبح الآن يعتبر نفسه غير معني بأي من الطرفين.
والواقع هو أن المعارضة ومن خلفها، أو ربما أمامها، الحلف السوري الإيراني في استخدامهم “السلطة القمعية” المتمثلة بسلاح “حزب الله” والعمليات الإرهابية ومسار حرب تموز 2006 وحرب نهر البارد واحتلال الوسط التجاري، بالإضافة إلى قدرة واسعة على التضليل من خلال خطاب ديماغوجي إلى أبعد الحدود، نجحوا في تقليص نسبة التأييد الذي كانت تتمتع به قوى 14 آذار بين اللبنانيين، وتمكنوا من توسيع قاعدتهم لتضم تيار العماد ميشال عون إلى معسكرها.
أما قوى 14 آذار، وعلى الرغم من القدرات الكامنة الهائلة التي تتمتع بها في مجال “السلطة اللطيفة”، فقد فشلت في تثمير استعمالها لهذه القدرات نتيجة لجوئها إلى سياسة تسويات أفقدتها الكثير من المصداقية التي هي أحد أهم أسس “السلطة اللطيفة”.
وقد ظهرت قوى المعارضة بأنها مجموعة متماسكة، محددة الأهداف، مستعدة لكسر كل القواعد للوصول اليها، في حين أن قوى الأكثرية بدت في كثير من المفاصل في موضع تلقي الصدمات والتعامل مع نتائجها، دون خطة محددة أو توجه سياسي وعملي واضح المعالم.
وما ردات فعل المجتمع الدولي على تصرفات النظام السوري في لبنان، وبوادر تفهّم الفرنسيين للتعطيل الذي تمارسه قوى 8 آذار، إلا دليل على نجاح هذا الحلف في استعماله “السلطة القمعية” لتغيير جزء من المعادلة السياسية في لبنان.
لذلك، فإن على قوى 14 آذار ألا تكتفي بمنطق التزامها بالدستور والحق والعدالة والحرية، وتبادر إلى استخدام كل مواضع قوتها من “سلطة لطيفة” ومن حقوق وواجبات دستورية من خلال تفعيل واسع للقدرات الإعلامية من جهة، وتشجيع الحكومة على اتخاذ قرارات تخرج لبنان من حالة الشلل الذي أدخلته فيه قوى 8 آذار منذ اليوم الذي تقرر فيه خطف الجنود الإسرائيليين عبر الخط الأزرق، أي عملية “الوعد الصادق” في 12/7/2006.
وقد كانت المبادرة التي أطلقتها قوى 14 آذار بتعديل المادة 49 من الدستور تمهيداً لانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية أحد أهم بوادر استخدام القدرات على الهجوم الايجابي. ولكن، وفي نفس الوقت الذي تطرح فيه قوى 8 آذار شروطها المسبقة للسير في انتخاب الرئيس التوافقي والتي تتلخص في منح هذه القوى قدرات واسعة على التعطيل لأي خيارات سياسية واقتصادية وأمنية في المستقبل القريب، ضمن أية حكومة قد تؤلف في العهد المقبل، وذلك كبديل للقوة القاهرة التي كان يمثلها الوجود العسكري السوري في لبنان أيام سنين الاحتلال.
وبالمقابل، فإنه وعلى الرغم من إصرار قوى 14 آذار على تسهيل مهمة الرئيس التوافقي، إن من ناحية انتخابه في الأساس، أو من ناحية إعطائه هامشاً مقبولاً للتحرك في مسألة تأليف الحكومة المقبلة، وهذا لا يعني انها ليست لديها هواجس وطنية وجودية يجب أن تطرحها للعلن، وتؤجل البحث فيها إلى العهد القادم من خلال المؤسسات الدستورية، أو مؤتمر حوار وطني جديد، أو الإثنين معاً.
فعلى المستوى الدستوري يجب معالجة ما يلي:
1 ـ توضيح الإشكالات الدستورية بالنسبة لنصاب انتخاب رئيس الجمهورية.
2 ـ وضع مدى زمني مقبول لمسألة تكليف رئيس الوزراء، وكيفية المعالجة في حال طال التأليف.
3 ـ توضيح صلاحيات رئيس مجلس النواب ووضع ضوابط لقدرته على تعطيل العمل الدستوري.
على المستوى الأمني:
1 ـ التأكيد على إيجاد جهاز استخباراتي وطني تتم فيه عملية تقاطع المعلومات بين الأجهزة الأمنية المتعددة، مع تأمين تداول للمراكز الأمنية بين أطياف المجتمع اللبناني.
2 ـ إعادة تقييم للأولويات الأمنية التي يبدو أنها لم تتبدل بعد خروج القوات السورية.
3 ـ تأمين حماية واضحة وهادفة للقوى السياسية والعسكرية في لبنان من خلال تغيير واضح في عقلية التعامل الأمني مع هذه الأمور.
4 ـ التأكيد على بناء القوى الأمنية الوطنية وخاصة التسريع في تحديث وتمنيع الجيش اللبناني.
5 ـ إعادة النظر الجذري في حرية الحركة للسلاح خارج إطار السلطة الشرعية.
6 ـ إلغاء كل الجزر الأمنية لكافة القوى السياسية في لبنان.
7 ـ الاتفاق على استراتيجية دفاعية تكون نتيجتها الحتمية وضع كل السلاح في لبنان تحت السلطة الشرعية وذلك بغض النظر عن التركيبة التفصيلية لهذه الاستراتيجية.
يترافق ذلك مع التزام كامل “لحزب الله” بعدم المبادرة إلى عمل عسكري هجومي حتى الوصول إلى اتفاق على هذه الاستراتيجية.
على المستوى السياسي:
1 ـ الاصرار على تنفيذ كل اتفاق الطائف، والقبول بمبدأ أن أي تعديل يجب ان يكون فقط ضمن الأطر الدستورية.
2 ـ رفض مبدأ المثالثة والالتزام بالمناصفة كمقدمة لالغاء الطائفية السياسية.
3 ـ استبعاد القبول بطرح ديموقراطية مركبة، عددية ضمن الطائفة، وتوافقية بين الطوائف، لأن هذا سوف يؤدي حتماً الى فيدرالية جغرافية بشكل تدريجي. كما انه يؤدي الى طغيان الطوائف الكبرى عددياً على غيرها.
4 ـ الخروج من الأحلاف الاقليمية والدولية التي تؤدي الى جعل لبنان ساحة وحيدة للصراع العسكري.
5 ـ امكانية تحويل لبنان الى نظام رئاسي غير واردة الا في حال الخروج من الطائفية السياسية.
6 ـ التزام نهائي بتعددية وديموقراطية النظام بغض النظر عن القول الديموغرافي.
7 ـ قانون انتخابي عادل وملتزم بقواعد العيش المشترك في نفس الوقت بحيث لا يشوه التمثيل، ولا يفسح المجال لخطاب متطرف من جهة أخرى.
8 ـ الاصرار على رفض التوطين مع وضع كل التشريعات اللازمة لتحسين اوضاع الفلسطينيين المعيشية والانسانية.
9 ـ تسهيل عملية استعادة الجنسية للمغتربين من ضمن آلية شفافة ومنطقية وذلك لتشجيعهم على المساهمة في البناء الوطني.
10 ـ اعادة برمجة سلم الأولويات الوطنية لناحية المناطق الأكثر حرماناً في لبنان، ووضع الخطط الآيلة الى معالجتها.
11 ـ اعادة تقييم عمل الضمان الصحي والاجتماعي.
على المستوى الاقتصادي:
1 ـ الالتزام بمقررات باريس ـ 3 ـ
2 ـ السعي الى الافادة من الفرص الاقليمية الهائلة للاستثمار على أساس انها لن تبقى متوفرة الى ما لا نهاية.
3 ـ الخصخصة العاقلة لكل المؤسسات التي يمكن خصخصتها على ان يكون الهدف الأساسي هو تحسين أدائها وتخفيض كلفتها.
هذا غيض من فيض، ولكن البحث في كل هذه الأمور لا يمكن ان يتم الا في كل هذه الأمور لا يمكن ان يتم الا في اطار دستوري وبوجود رئيس يرعى الحوار، لذلك فلنذهب الى انتخابه.
نائب لبناني عضو كتلة “المستقبل