نكستان للأسد: لا مصالحة أميركية وعربية ولا انفتاح فرنسي
دمشق: التخلي عن سليمان مقابل التخلي عن الثلث المعطّل
دمشق: التخلي عن سليمان مقابل التخلي عن الثلث المعطّل
عبد الكريم أبو النصر
“تعرض نظام الرئيس بشار الاسد لنكستين سياسيتين مهمتين اخيرا، الاولى ناتجة من رفض الولايات المتحدة ودول عربية بارزة مسعى سريا جديدا قام به الرئيس السوري لتحقيق المصالحة معها، والثانية ناتجة من قرار الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي المتخذ بالتفاهم مع الدول العربية والغربية المعنية بمصير لبنان والقاضي بوقف الانفتاح عليه والاتصالات السياسية معه. وقد اكد موقف ساركوزي هذا مجموعة حقائق اساسية هي:
اولا، ان فرنسا ليست مستعدة لعقد اي صفقة مع النظام السوري او لتقديم اي تنازلات له ولحلفائه على حساب لبنان والقوى الاستقلالية فيه، وعلى حساب المحكمة الدولية، وان حوارها مع نظام الاسد ليس مكافأة لهذا النظام بل انه مشروط بحدوث تحول جذري وتاريخي في سياسته حيال لبنان يتضمن الاعتراف الفعلي والرسمي باستقلال هذا البلد وسيادته، ووقف كل التدخلات السلبية المدمرة في شؤونه، ووضع حد لمساعي الهيمنة مجددا عليه.
ثانيا، ان فرنسا ليست مهتمة بالتقارب مع سوريا في ظل حكم الاسد من اجل سوريا بالذات، بل من اجل دعم لبنان المستقل، وان ساركوزي مستعد لتحسين العلاقات مع سوريا في حال تجاوبت مع مطالبه لكنه ليس مستعدا لقبول شروط حلفاء دمشق واطاحة استقلال لبنان والمحكمة الدولية.
ثالثا، ان المجتمع الدولي سيحاسب النظام السوري على دوره المعطل وعلى قيامه بعرقلة انتخاب العماد ميشال سليمان كرئيس توافقي لانه هو المسؤول عن تصرفات حلفائه الذين يمدهم بكل انواع الدعم ويحركهم بتعليماته.
رابعا، ان اي انفتاح دولي او عربي حقيقي على نظام الاسد لن يحدث ولن يتحقق ما لم يتوقف هذا النظام عن تعريض لبنان لاخطار كبرى عبر سياسته السلبية المدمرة حياله”.
هذا ما اكدته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع في باريس، واوضحت ان الرئيس الاسد بعث اخيرا برسائل جديدة الى اميركا ودول عربية بارزة عبر مسؤول عربي كبير تضمنت رغبته في تحسين العلاقات والمصالحة معها واستعداده لان يناقش مع هذه الدول قضية فك التحالف الوثيق مع ايران واستعداده ايضا للتعاون بانفتاح وايجابية معها حول القضايا الاقليمية الساخنة.
وكشفت المصادر ذاتها ان هذا المسؤول العربي الكبير نقل رسائل الاسد الى الدول المعنية وركز في اتصالاته معها على ان “السوريين ليسوا مرتاحين الى مقاطعة سائر الدول العربية والغربية البارزة لنظام الاسد واكتفائها بالحد الادنى لدى التعاطي معه”، كما ركز على ان السوريين يدركون تماما ان “تحالفهم مع ايران والقوى المتشددة اللبنانية والفلسطينية ليس كافيا وحده لتأمين مصالحهم الوطنية والحيوية”.
وتبين للمسؤول العربي الكبير من خلال اتصالاته هذه “ان السوريين يشعرون بقلق جدي مما يمكن ان تهيئه وتعده لهم اميركا واسرائيل في المرحلة المقبلة”. وان بشار الاسد “على اقتناع بان استمرار التوتر والتأزم في العلاقات السورية – الاميركية – الغربية وفي العلاقات السورية – العربية ليس لمصلحة نظامه بل قد يؤثر سلبا عليه في ضوء التطورات المختلفة التي يشهدها لبنان وتشهدها المنطقة عموما”.
وشدد على ان المسؤولين السوريين يرفضون الاعتراف علنا بمشاعر القلق والانزعاج من اوضاعهم الراهنة لانهم يريدون اعطاء الانطباع لحلفائهم ولشعبهم بانهم “الاقوى وبان المبادرة في ايديهم” خلافا لما هي الحال فعلا.
واكدت المصادر الاوروبية والعربية المطلعة ان الولايات المتحدة والدول العربية التي استهدفتها رسائل الاسد رفضت هذا العرض السوري الانفتاحي للاسباب الرئيسية الآتية:
اولا، تعاملت هذه الدول مع العرض السوري على اساس انه “غير جدي”، وانه “مناورة جديدة” يلجأ اليها نظام الاسد لمحاولة تحسين مواقعه نحو الساحتين العربية والدولية وفي لبنان، من خلال اظهار الدول البارزة والمؤثرة، وعلى رأسها اميركا وفرنسا ومصر والسعودية انها مستعدة للانفتاح عليه والتعامل معه بشكل ايجابي على رغم تدخلاته السلبية في شؤون لبنان وسياسته الخطرة حيال هذا البلد ودول وساحات اخرى في المنطقة.
ثانيا، رفضت اميركا والدول العربية المعنية بالامر الاكتفاء “بالوعود السورية” وباعلان “حسن النيات” الصادر عن الاسد وابلغت الى الوسيط العربي انها ليست مستعدة لعقد اي اجتماع على مستوى القمة او على مستوى وزاري رفيع مع المسؤولين السوريين لمناقشة القضايا ذات الاهتمام المشترك، واشترطت ان تأخذ القيادة السورية المبادرة وتثبت بالافعال، وليس بالاقوال وحدها، استعدادها الحقيقي للعودة الى الصف العربي وللابتعاد عن التزام التوجهات الايرانية المتشددة، وذلك من خلال خطوات واجراءات محددة تتخذها في لبنان وفلسطين والعراق وتعكس حدوث تغيير فعلي وجذري في سياسات سوريا حيال هذه الدول.
ثالثا، شددت اميركا والدول العربية المعنية بالامر على ان محك تغيير السياسة السورية يجب ان تكون ساحته لبنان اولا. والمطلوب، اميركيا وفرنسيا واوروبيا ودوليا وعربيا من القيادة السورية تحديدا تأمين انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية بسرعة والتخلي عن كل الشروط التعجيزية غير القابلة للتطبيق التي تضعها المعارضة المتحالفة مع دمشق، على ان يرافق ذلك وقف كل الاعمال الترهيبية السورية في لبنان، مع اقدام القيادة السورية على تشجيع حلفائها على الدخول في حوار جدي مع الغالبية يبدأ بعد تسلم سليمان مهماته ويتركز على تحقيق المشاركة المتوازنة والعادلة في السلطة بين الافرقاء اللبنانيين على اساس صيغة لا غالب ولا مغلوب، كما يتناول التزام مواصلة تطبيق قرارات مجلس الامن ذات الصلة.
واكدت المصادر ذاتها ان هذا الرفض الاميركي والعربي لرسالة “الانفتاح” السورية اثار خيبة امل القيادة السورية وغضبها فاندفع نائب الرئيس السوري فاروق الشرع الى التهجم على اميركا وسياستها وعلى السعودية والاردن ودول عربية اخرى، والى تحريض المعارضة على الغالبية في لبنان والتأكيد “ان اصدقاء سوريا في الساحة اللبنانية اقوى مما كانوا في السابق، وان احدا لن يستطيع ان يكسب المعركة ضد سوريا ولو استعان بقوى خارجية”. كما دفع هذا الرفض لرسالة “الانفتاح” الرئيس السوري الى التأكيد علنا ان التحالف مع ايران قوي وراسخ ولن يهتز.
المأزق السوري
وقال لنا مسؤول عربي بارز معني بالملف اللبناني: “ان نظام الاسد يجد نفسه اليوم في الموقف ذاته الذي واجهه بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه في شباط 2005. ففي ذلك الحين لم تقتنع سائر الدول المعنية بالشأن اللبناني بان النظام السوري بريء وغير متورط في جريمة اغتيال الحريري. ولذلك دعمت تشكيل لجنة تحقيق دولية، كما ان اي دولة في العالم لم تعلن تأييدها لبقاء القوات السورية في لبنان حين طالب اللبنانيون وبغالبيتهم الكبرى بانهاء الهيمنة السورية على بلدهم ودعمهم في ذلك المجتمع الدولي وكذلك المجموعة العربية ككل”. واضاف هذا المسؤول العربي: “وما يحدث اليوم هو ان المسؤولين السوريين اجروا اتصالات مع عدد من الدول العربية والاجنبية لشرح حقيقة موقفهم من مسألة انتخابات الرئاسة في لبنان، لكنهم لم يتمكنوا من اقناع اي دولة في العالم، باستثناء ايران وقطر ربما، بتأييد موقفهم الحالي المتشدد وبدعم شروط المعارضة المتحالفة مع دمشق لتأمين انتخاب سليمان رئيسا للجمهورية. بل ان هناك توافقا عربيا – دوليا واسعا على رفض الموقف السوري المتشدد، وعلى ضرورة ايصال سليمان الى قصر الرئاسة من دون قيود او شروط مسبقة لكي يتمكن من القيام بالدور التوافقي المطلوب منه والذي يحتاج اليه لبنان في هذه المرحلة الصعبة والخطرة”.
واكد لنا ديبلوماسي اوروبي مطلع “ان هناك ثلاثة اسباب رئيسية تدفع سائر الدول والجهات الى رفض شروط دمشق وحلفائها لانتخاب سليمان رئيسا توافقيا هي:
اولا، ان هذه الشروط المسبقة تجعل الغالبية النيابية والشعبية خاضعة لارادة المعارضة التي تشكل اقلية، وهو ما يتناقض كليا مع قواعد العمل السياسي والدستوري في النظام اللبناني الديموقراطي.
ثانيا، ان هذه الشروط المسبقة تمنح المعارضة القدرة على ان تنتقص من طرف واحد وبقرار منها، من صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس النواب، من خلال الاصرار على التفاهم مسبقا على هوية رئيس الحكومة وعلى تشكيلة الحكومة الجديدة وعلى حصة كل فريق فيها وعلى التعيينات الاساسية في الجيش وقوى الامن وذلك قبل انتخاب سليمان رئيسا.
ثالثا، ان هذه الشروط المسبقة تشكل انقلابا سياسيا ودستوريا على نظام الحكم في لبنان وعلى صيغة تقاسم السلطة التي حددها اتفاق الطائف عام 1989، وهو انقلاب تريد المعارضة تنفيذه بالتفاهم مع دمشق، عبر التهديد والتعطيل والتهويل وممارسة ضغوط مختلفة غير مشروعة على غالبية اللبنانيين”.
واشار هذا الديبلوماسي الاوروبي الى ان “جهات عربية ودولية تلقت معلومات موثوق بها من بيروت تفيد ان “حزب الله” يريد، بالتفاهم مع العماد ميشال عون زعيم “التيار الوطني الحر” نسف اتفاق الطائف والتوصل الى صيغة جديدة لتقاسم السلطة وصلاحيات الحكم بين الافرقاء اللبنانيين.
وهناك وسيلتان لتحقيق ذلك، الاولى اعتماد الحوار الوطني والثانية استخدام القوة العسكرية. فاذا اراد “حزب الله” اعتماد الحوار الوطني للتفاهم على صيغة جديدة لتقاسم السلطة والحكم بين الافرقاء والطوائف في لبنان فان ذلك يتطلب احياء مؤسسات الدولة بدءا بانتخاب سليمان رئيسا للجمهورية من دون شروط مسبقة. اما اذا اراد الحزب وحلفاؤه استخدام القوة العسكرية واعمال العنف لمحاولة فرض تركيبة جديدة للسلطة على الغالبية من اللبنانيين تكون ملائمة اكثر لحلفاء دمشق او لطائفة من الطوائف فان هذا التوجه سيقود الى حرب اهلية يخسر فيها الجميع، اذ لن يستطيع اي فريق، وان يكن مدعوما من سوريا، فرض شروطه ومطالبه بالقوة على الافرقاء الآخرين”.
التخلي عن سليمان وعن الثلث المعطل
في هذا المجال كشفت مصادر ديبلوماسية غربية وثيقة الاطلاع ان مبعوثا اوروبيا زار بيروت اخيرا ابلغ الى حكومته ان المعارضة تتمسك بالحصول على الثلث المعطل في الحكومة الجديدة لانها تريد منح النظام السوري القدرة على التدخل مباشرة في الشؤون اللبنانية وفي قرارات الحكومة، ولانها تبدو واثقة من ان “الرئيس” ميشال سليمان لن ينفذ كل مطالبها ومطالب دمشق ولانها تريد التعويض عن خسارة موقع الرئاسة مع رحيل الرئيس اميل لحود الذي كان جزءا اساسيا من هذه المعارضة. وشدد هذا المبعوث الاوروبي على ان الدستور اللبناني لم ينص اطلاقا على منح المعارضة حق امتلاك الثلث المعطل في اي حكومة، واكد ان اصرار المعارضة على امتلاك الثلث المعطل موجه في وقت واحد ضد الغالبية النيابية الاستقلالية وضد ميشال سليمان.
وقالت مصادر ديبلوماسية عربية وثيقة الاطلاع ان مسؤولاً سورياً كبيراً ابلغ الى جهة عربية ان نظام الاسد مستعد لاقناع حلفائه بالتخلي عن المطالبة بالثلث المعطل في الحكومة المقبلة اذا ما تخلت الغالبية عن ترشيح ميشال سليمان للرئاسة واذا ما تم التوافق على مرشح آخر لهذا المنصب تطمئن دمشق الى توجهاته. واكدت المصادر انه تبين من اتصالات هذه الجهة العربية، بعد تلقيها الاقتراح السوري، أن هناك دعما عربيا ودوليا واسعا لترشيح سليمان للرئاسة وانه ليس واردا ان تقبل الغالبية النيابية او اي دولة هذا الاقتراح السوري الذي يشكل محاولة جديدة من نظام الاسد لفرض مشيئته وقراره على اللبنانيين وخصوصا في ضوء عجز حلفائه عن تغيير قواعد اللعبة لمصلحة دمشق.
ووفقا لديبلوماسي اوروبي مطلع “فان المفهوم السوري للديموقراطية في لبنان يقوم على حرمان الغالبية حقها الدستوري الشرعي في ان تحكم، وعلى منح المعارضة حق تعطيل عمل الغالبية وشل الحياة السياسية والدستورية في هذا البلد وإلحاق الاضرار الهائلة بمصالح اللبنانيين الحيوية”.