اجتماع القاهرة اليوم في سياق “مسار متلازم” بين “التعريب” و”التدويل” وهو محطة نحو ديناميّة عربية ـ دولية مشتركة
النظام السوري أمام احتمال نزع الشرعية العربية عنه
النظام السوري أمام احتمال نزع الشرعية العربية عنه
نصير الاسعد
يشكّل الاجتماع العربي على مستوى وزراء الخارجية في القاهرة اليوم مفصلاً مهماً بالنسبة الى الأزمة في لبنان، إذ ينعقد بعد “حدث” أساسي هو إعلان فرنسا بلسان رئيسها نيكولا ساركوزي قطع الاتصالات مع النظام السوري بـ”سبب” موقف هذا النظام من المساعي الفرنسية للحلّ في لبنان وإستمراره في التعطيل والتخريب في البلد.
نقطة الانطلاق: اجتماع بعد إنتهاء المبادرة الفرنسية
ومن أجل “سلامة” التحليل ودقّته، لا بد من وضع اجتماع القاهرة اليوم في سياقه المحدّد. والسياق المحدّد هو أن الاجتماع يلي “انتهاء” المبادرة الفرنسية، أي أنه الردّ العربي على دفع النظام السوري المبادرة الفرنسية الى حائط مسدود. وإذا كان المثلُ الشائع يقول أن “المكتوب يُقرأ من عنوانه”، فإن اجتماع القاهرة يُقرأ من عنوانه.
“التدويل” و”التعريب” يتناوبان
وقبل الدخول في عدد من الاستنتاجات الرئيسية، لا بد من إزالة الالتباس المقصود تارةً من جانب بعض “المعارضة” وغير المقصود تارةً أخرى من جانب بعض “الرأي العام” حول “التعريب” و”التدويل”. والمقصود قوله هنا هو أن الوضع اللبناني ـ والأزمة اللبنانية تالياً ـ تحت “التدويل” منذ أكثر من ثلاثة أعوام. القرار 1559 الذي صدر “في وجه” قرار الوصاية السورية بالتمديد لإميل لحود في العام 2004 هو عنوان أول لـ”التدويل”. والقرار 1757 المتعلّق بإنشاء المحكمة الدولية بشأن جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه هو عنوانٌ ثانٍ. والقرار 1701 الذي قضى بوضع جنوب لبنان في عهدة ثنائية الجيش ـ قوات الطوارئ الدولية بعد حرب تموز 2006 هو عنوانٌ ثالث.
كذلك فإن المقصود قوله في هذا المجال هو أنه في ظل هذا “التدويل” ـ في صيغة قرارات دولية ملزمة ـ تناوب المجتمع الدولي والنظام العربي على إطلاق مبادرات بشأن الوضع اللبناني. حيناً كانت مبادرات عربية وحيناً آخر كانت مبادرات دولية. مرّةً كانت المبادرة من المملكة العربية السعودية أو من مصر أو من الجامعة العربية، ومرّة أخرى كانت تأتي من الاتحاد الأوروبي أو من فرنسا. وكل المبادرات عربية كانت أم دولية إستندت الى القرارات الدولية حول لبنان. وبكلام آخر، شهد لبنان، خصوصاً في العام الماضي، نوعاً من “سباق البدَل” بين مبادرات عربية وأخرى دولية، تسلّم الواحدة للأخرى بالأسس والمنطلقات نفسها: إستقلال لبنان واستقراره وسلامة مساره الدستوري الديموقراطي.
..والخطّ بينهما مفتوح
لا خطّ فاصلاً بين “التعريب” و”التدويل”. ثمّة خطّ مفتوحٌ في الاتجاهين. وكما واكب المجتمع الدولي المبادرات العربية واكب النظام العربي المبادرة الفرنسية. ليس هناك خيارٌ إسمه “التعريب” في مقابل خيار إسمه “التدويل”. ومَن “إستفاق” من “المعارضة” اليوم على فارق بينَ “التعريب” و”التدويل” ليعلنَ إنحيازه الى “التعريب”، يجهل أو يتجاهل حقيقة أن لا فارقَ سياسياً بين الأمرَين، أو كأنه يحاول أن يقول أن “التعريب” هو “أهون الشرّين”. فهذا “التمييز” ينتمي الى مرحلة تاريخية سابقة عندما كان العربُ عربَين والعالم عالمَين أو معسكرَين. وهذا “التمييز” يتمنى أصحابه أن تحلّ الأزمة اللبنانية بـ”صفقة” عربية ـ سورية لا أساس موضوعياً وفعلياً لها لأن لا صفقة دولية ـ سورية واردة. وهم على أي حال ينسون أو يتناسون أنهم هم أنفسُهم كانوا يبحثون مع فرنسا وهي ليست دولة عربية.
إجتماع القاهرة لـ”المحاسبة”
تأسيساً على هذه المقدّمات جميعاً والتي هدفَت الى توضيح العلاقة الوثقى بين “التعريب” و”التدويل”، وإلى وضع اجتماع القاهرة في سياقه الحقيقي، يمكن القول بلا تردّد إن هذا الاجتماع لن يبدأ بالنسبة الى الأزمة اللبنانية من الصفر. الدول العربية الرئيسية واكبت المبادرة الفرنسية الأخيرة. وباريس وضعت هذه الدول العربية في صورة ما انتهت إليه “المفاوضات” مع النظام السوري. والرئيس المصري حسني مبارك حمّل النظام السوري المسؤولية في لبنان خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس ساركوزي قبل أسبوع تماماً. والمملكة العربية السعودية تعرف الأمور بتفاصيلها.
على هذا الأساس يمكن القول ـ وبلا تردّد أيضاً ـ إن اجتماع القاهرة اليوم لن يدخل في تفاوض “على” لبنان مع نظام الأسد، بل سينطلق من الحصيلة ليضع هذا النظام أمام مسؤولياته ولـ”يحاسبه”. ونقطة انطلاق “المحاسبة” واضحة. فالنظام العربي أعطى النظام السوري خلال العام المنصرم فرصاً عدة لتصحيح سلوكه، ودعم فرصاً عدة منحها له المجتمع الدولي وآخرها المبادرة الفرنسية نفسها. والهدف كان محاولة إستعادته الى الشرعية العربية وقد حدّدت القمة العربية الأخيرة في الرياض أسسها بشكل واضح. لكن نتيجة “الفحص” جاءت سلبية. والنظام العربي في دفاعه عن استقرار لبنان واستقلاله لا يدافع فقط عن دولة مؤسسة في جامعة الدول العربية ولا يدافع فقط عن مبدأ أساس يقوم عليه النظام العربي “الجديد” أي مبدأ العلاقات الندّية بين دول مستقلة سيّدة تكوّنه، بل يدافع عن نفسه لن تعريض استقرار لبنان للخطر يصيب المنطقة بالأخطار والفتن.. أي أن الدور السوري التعطيلي والتخريبي في لبنان هو تحدّ للنظام العربي ومصالحه الحيوية.
إجتماع القاهرة اليوم بما هو “محطّة تعريب” هو محطّة محاسبة للنظام السوري. “التعريب” اليوم يعني المحاسبة. وبنتيجة هذه المحاسبة إمّا أن ينصاعَ نظام الأسد الى النظام العربي بتركه لبنان وشأنه، أي بتسهيل حياته السياسية والديموقراطية وتمكينه من إنتخاب رئيس الجمهوريّة بلا شروط، وإمّا نزعُ الشرعية العربية عنه.
الإمتثال أو نزع الشرعية
يعرف العرب ألاعيب النظام السوري. وإذا كان “المؤمن لا يلدغُ من جحر مرّتين”، فبالتأكيد لا يُلدغ “مليون مرّة”. ولذلك، سيكون من يمثّل النظام في اجتماع القاهرة اليوم أمام الاختيار بينَ العلاقة بالنظام العربي أو نزع الشرعية العربية. ولا مبالغة في القول أن نزع الشرعية العربية عنه، هو ليس فقط “أقوى” إجراء يمكن لاجتماع عربي أن يتّخذه حتّى لو لم يعلنه رسميّاً، بل هو أقصى خطر يجازفُ النظام السوري بمواجهته.
وإلى مَن يفترضون أن “التعريب” شيء و”التدويل” شيء آخر أو أنهما “منفصلان” لا بد من قول الآتي:
إن نزع الشرعية العربية عن نظام الأسد لو حصل سيكون بلا أدنى شك إشارة انطلاق إجراءات دولية ضدّه، أي أن نزع الشرعية العربية عنه يعطي الشرعية العربية لمعاقبة النظام السوري.
بكلام آخر، إن هذه “المحطة التعريبية” من شأنها أن تؤسّس لدينامية عربية ـ دولية مشتركة، ولذلك فإن “التعريب” مفتوحٌ على “التدويل”.
“التعريب” وزيارة بوش
وإذا أُخذ في الاعتبار أن اجتماع القاهرة يسبق بأيام قليلة فقط جولة الرئيس الأميركي جورج بوش في المنطقة، يمكن تقدير أن الدينامية العربية ـ الدولية ستشهدُ اندفاعةً خلال زيارة بوش الذي إستبقها بمواقف حازمة حيالَ تعطيل النظام السوري في لبنان.
وعلى أي حال، هل ثمّة شك في أن تصعيد “المعارضة” في الأيام الأخيرة، “إستباقي” لاجتماع القاهرة ولـ”المسار المتلازم” بينَ “التعريب” و”التدويل”؟