التغيير التكتي والإستراتيجية السورية المستمرة
نشرة ليسيس
الدخان الأبيض بان مساء السبت في القاهرة عندما نجح أمين عام الجامعة العربية الدكتور عمرو موسى في جمع وزيري خارجية السعودية وسوريا ومعهما وزير الخارجية المصري ورئيس وزراء قطر في منزله الى لقاء عمل كان بنده الوحيد الأزمة الرئاسية في لبنان، وقد مّهد الإجتماع المذكور الى صدور خارطة الطريق العربية أمس الأحد بالإجماع، والتي تضمنت ما كانت قد تضمنته الورقة الفرنسية حرفياً: انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً، حكومة وحدة وطنية (بفارق ان الضامن للثلث المعطل والثلثين المقررين هي حصة الرئيس الجديد) وقانون انتخاب عادل ومتوازن، وقد كان لافتاً في قرار وزراء الخارجية العرب تضمن البندين الأولين كلمة فوراً في خاتمة المقطعين، والتي يُفترض انها تعني الإتفاق على الحصص الوزارية بحيث يمكن انتخاب الرئيس وتشكيل الحكومة خلال مدة قصيرة لا تتجاوز بأي حال الأسبوع الواحد. والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هنا هو: لماذا وافقت دمشق على إعطاء العرب ما امتنعت عن إعطاءه لفرنسا واوروبا؟ وإذا كان النظام السوري في وارد الحلحلة في الملف اللبناني – وبهذه السهولة – فما معنى التعقيدات التي طرأت أكثر من مرة خلال الأشهر الثلاثة الماضية والتي شُبه للمراقبين انها آتية من وراء الحدود وتحديداً من العاصمة السورية؟. الجواب على هذا السؤال ينطلق من تواتر ردود الفعل الداخلية اللبنانية منذ ما بعد ظهر أمس، فقد سُجّل فيها ان الرئيس نبيه بري سارع كما العادة منذ أواخر آب الماضي الى الترحيب بما صدر عن وزراء الخارجية العرب واعتبره مدخلاً مناسباً الى الحل المطلوب ويُتوقع في هذه اللازمة ان تصحبها “زفة مواكبة” من مساعدي بري نواباً وشخصيات، في حين سُجّل عند حزب الله ترحيباً متحفظاً مع الإستمرار في “الهجوم الإنتحاري” على الرئيس فؤاد السنيورة وبعض وزرائه بما يؤشر الى رغبة في إبقاء النار تحت الرماد لغايات في نفس الحزب ورعاته الإقليميين، وأيضاً سُجّل ان “صهر الجنرال” لم يجد في ما صدر عن اجتماع القاهرة جديداً، متحدثاً عن اتفاق سياسي مسبق! في وقت تجاوزه السيد الان عون ليلاً في كلامه عن سلّة أخرى لم يستطع ان يعدد منها شيء خارج إطار الحكومة وقانون الإنتخاب! ومن المعلوم ان دمشق كانت تتحدث سابقاً عن اتفاق على اسم قائد الجيش الجديد، ومدير المخابرات، ومدير عام الأمن العام، وأيضاً عن حل فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، فهل هذه هي الجديد الذي لم يجده أركان التيار العوني في ورقة وزراء الخارجية العرب؟.
والخاتمة ان قراءة دقيقة لردود الفعل التي بدأت بالظهور أمس تشير الى إحراج دمشق من الإجتماع الذي تم في منزل الأمين العام للجامعة، واضطرارها لتقديم التنازلات، لكنها كالعادة أوعزت الى بعض قوى 8 آذار بتصعيد المطالب وتنويعها بما يؤدي بالجولة الجديدة للسيد عمرو موسى الى ما آلت اليه جولاته السابقة، وورقة الجامعة الى ما حلّ بالمبادرت الفرنسية المتكررة، ويظّل لبنان معلقاً على خشبة بانتظار نتيجة “الكباش” الدائر بين سوريا وإيران من جهة والعالمين العربي والدولي من جهة ثانية، إذ لا يبدو في الأفق ان هناك ما استدعى تغيراً في موقف محور طهران – دمشق سوى الرغبة في التبريد اللفظي لأن المتغيرات الدولية لا تسمح حتى الساعة بأخذ لبنان غلاباً بالسلاح والمال! ما يستدعي انتظاراً آخر للمحور المذكور قد يمتد أشهراً بما يزيد الوضع الداخلي اللبناني اهتراءاً على كافة الصعد السياسية والأمنية والإقتصادية… والأهم البشرية، وساعتئذ يحين أوان القطاف بحسب ما يجري التخطيط له في العاصمتين السورية والإيرانية.