الخروج من “العصفورية” الى “الاشتراعية” الدستورية
غسان تويني
غسان تويني
مبروك للرئيس العتيد العماد ميشال سليمان التتويج العربي له قبل انتخابه بالاقتراع (السري؟)…
ومبروك للبنانيين هذا الحل العربي لأزمة “الفراغ الدستوري” التي كانت قد جعلت البعض يذهب في اليأس والتيئيس الى حد الدعوة الى “ضب الشنط” والتهيؤ للهجرة سباحة اذا اقتضى الامر لمن يحسنون السباحة، وربما مشياً على المياه لمن سيستعينون بالعجائب للفرار من الوطن الذي ظنوا انه صار مستحيل البقاء “وطناً نهائياً لجميع أبنائه” كما تنص مقدمة الدستور المكرّس “طائفاً” ويستقر… بالاشارة الصريحة الى قواعده التقليدية.
ثم مبروك لبعض المعارضة التي تعتز بنسبة الذات الى الشقيقة العزيزة سوريا… مبروك مباركة الديبلوماسية السورية، بكل البراعة المهنية التي يتقنها الوزير “المعلّم”، ثم مباركة الجبهة الوطنية التقدمية التي يستمد منها الحكم السوري البعثي شرعيته الشعبية… ولا شك في ان للاحزاب اللبنانية المعارضة المنتسبة عقائدياً (فقط عقائدياً!) الى الجبهة “التقدمية” اياها مجالاً للتوفيق بين المفارقات العقائدية والالتزامات السياسية المتقلبة، فتساهم بدورها إن لم نقل في “التتويج العربي” فعلى الأقل في التسوية التي تضع حداً للفراغ الدستوري الذي كان سيؤمّن اجماعاً لبنانياً على الخراب واليأس!!! فاذا به يؤمن الدعوة إلى إجماع على الحل، وببيان لا سابقة لمثله من كل الرؤساء الروحيين المسلمين مجتمعين.
أما بعد، فلا مناص، مرة أخرى، من تهنئة الرئيس نبيه بري لتمييزه موقفه كرئيس لمجلس النواب، اي للسلطة التشريعية، عن موقف بعض محازبيه وشركائه الحزبيين…
ولعله بذلك قد مهّد لنفسه مجال القيام بالدور الدستوري الأرفع الذي ينتظره، وهو احتضان بعض “المشروطيات شبه الدستورية” التي يذهب بعض مطلقيها الى حد التلويح – المتكاثر وكأنه رجع صدى حنين دفين الى تعديل هذا او ذاك من ابواب “الطائف” (وربما كذلك شبابيكه المجهولة الأبعاد، كالمثالثة، وما اليها!!!).
ونحن نسارع ونقول لهؤلاء جميعاً ان حسبنا ما عانينا من “العصفورية الدستورية” ومخلفاتها اللحودية، فلا نقتحمن طرقاً وزواريب تقودنا الى “لعبة مقاربة الهاوية” الفاغرة فاهاً تنتظر ان نهبط الى قعرها فتصبح “بشرى” المهوّلين باستحالة صمود الميثاق الوطني اللبناني الذي لا تزال اكثرية اللبنانيين تعاند كل الامواج التي تناطحه.
فالى أين من ههنا؟
الى طائف ثانٍ وثالث و… و…
لا، كلا. الطائف كان ضرورة تاريخية عملانية فرضها شغور مركز رئاسة الجمهورية وانقسام الحكم في ازدواجية لا نريد ان تُنكأ الجروح التي تسببت بها ولا تلك التي نتجت منها… اياً يكن حنين البعض السليقي الى “استحلاء” الرجوع اليها.
ولعل أسوأ ما شهده الطائف هو تهافت بعض النواب على القبول بما يتهافتون اليوم على إدانته من “تنازلات”… ولنطو الصفحة، أفضل للجميع، أما اذا كان من إعادة تقويم بعض القواعد الدستورية، ففي انعقاد المجلس في شكل “جمعية دستورية” كتلك التي كانت تنعقد منذ 1926 ثم 1943 (لتعديل الدستور وإلغاء الانتداب الفرنسي ومترتباته الدستورية، ومن جانب واحد، عملا بحقوق السيادة الوطنية التي كانت تنكرها علينا الدولة المنتدبة من “عصبة الأمم” لرعاية تدرجنا نحو الاستقلال، فما فعلت، وثرنا وواجهناها وانتصرنا… فليفتخر ويعتز “ضعيفو الذاكرة التاريخية” والثقة بالذات – ولا نقول أكثر – الذين يستمرون ينسبون كل ما يحدث عندنا الى “المؤامرات” الأجنبية وما اليها وما يندرج منها…).
الى طائف ثانٍ وثالث و… و…
لا، كلا. الطائف كان ضرورة تاريخية عملانية فرضها شغور مركز رئاسة الجمهورية وانقسام الحكم في ازدواجية لا نريد ان تُنكأ الجروح التي تسببت بها ولا تلك التي نتجت منها… اياً يكن حنين البعض السليقي الى “استحلاء” الرجوع اليها.
ولعل أسوأ ما شهده الطائف هو تهافت بعض النواب على القبول بما يتهافتون اليوم على إدانته من “تنازلات”… ولنطو الصفحة، أفضل للجميع، أما اذا كان من إعادة تقويم بعض القواعد الدستورية، ففي انعقاد المجلس في شكل “جمعية دستورية” كتلك التي كانت تنعقد منذ 1926 ثم 1943 (لتعديل الدستور وإلغاء الانتداب الفرنسي ومترتباته الدستورية، ومن جانب واحد، عملا بحقوق السيادة الوطنية التي كانت تنكرها علينا الدولة المنتدبة من “عصبة الأمم” لرعاية تدرجنا نحو الاستقلال، فما فعلت، وثرنا وواجهناها وانتصرنا… فليفتخر ويعتز “ضعيفو الذاكرة التاريخية” والثقة بالذات – ولا نقول أكثر – الذين يستمرون ينسبون كل ما يحدث عندنا الى “المؤامرات” الأجنبية وما اليها وما يندرج منها…).
نعم، ربما كانت ثمة حاجة الى جمعية دستورية، بل، “تأسيسية”…
ولا مانع اذذاك في حضور مراقبين عرب ودوليين، شأن ما حدث ويحدث كلما نشأت “حالات دستورية” تهدد الاستقرار الاقليمي بل السلام الدولي، والامثلة كثيرة من اوروبا القريبة الى افريقيا النائية.
وفي ذلك البرهان القاطع على “الفراغ” الذي كان يلعب بناره بعض الاشقاء جاهلاً أو متجاهلاً ان سحره كان سينقلب على السحرة الصغار المتدرجين!
واذا أحرجنا بالتسمية، قلنا ان جامعة الدول العربية ملتزمة ضمان حدود الدول التي تتألف منها، بل أنظمتها لأنها كلها مرتبطة بتعاقد واحد، اذا سقط بعضه سَهل تهديد البعض الآخر بالسقوط. مفهوم؟
من هنا شرعية ما سميناه “التتويج العربي” لرئيس الجمهورية العتيد، ولا مركّبات نقص ولا خجل، بل الفخر كل الفخر، حتى المفاخرة ولا بأس!
وللمستزيدين نقول ان الجانب الديني “المكوَّن” في دول المنطقة العربية وصولا الى باكستان وقبرص وبعض الجمهوريات الروسية يجعل للتفجّر اللبناني تداعيات لا حاجة بنا الى الخوض في خصوصياتها “المذهبية” في هذا المجال، علماً بأن معالجة هذا الأمر تحتاج الى صفاء في المناقشة والبحث والاشتراع تحرسها الشرعية الاقليمية بل الدولية.
وللمستزيدين نقول ان الجانب الديني “المكوَّن” في دول المنطقة العربية وصولا الى باكستان وقبرص وبعض الجمهوريات الروسية يجعل للتفجّر اللبناني تداعيات لا حاجة بنا الى الخوض في خصوصياتها “المذهبية” في هذا المجال، علماً بأن معالجة هذا الأمر تحتاج الى صفاء في المناقشة والبحث والاشتراع تحرسها الشرعية الاقليمية بل الدولية.
ولعل في ذلك ما يجعل لرئيس الجمهورية اللبنانية فرادة، بل تميزاً بين رؤساء الدول المعنية، تجعلها كلها حريصة على أن يتمتع الرئيس اللبناني بحصانات، حتى لا نقول قدرات وصلاحيات، تجعله في منأى عن بعض “الهبّات” الدستورية العصفورية! وكفى!…
والعبارات التي كرّست ذلك قد ينطبق على بعضها وصف الغموض البناء… ولا بأس ما دامت النسبة “البنّائية” في التعبير تنسخ الغموض وكل ميل الى التغميض !