#adsense

“أجندة” لبنانية لسوريا البعث لا لسوريا الاسد ؟

حجم الخط

“أجندة” لبنانية لسوريا البعث لا لسوريا الاسد ؟

سركيس نعوم

 
لا يختلف لبنانيان اثنان على الاذى الكبير الذي ألحقه بلبنان الوطن والكيان والدولة الانقسام المزمن للشعب اللبناني طوائف ومذاهب تحولت لاحقاً، وخصوصاً بعد الحرب الاهلية وغير الاهلية التي انتهت عسكرياً فقط عام 1990 ، امماً وشعوباً يحاول كل منها السيطرة على الآخرين. ولكن لا يختلف لبنانيان اثنان ايضاً على الدور السلبي الذي قامت به من زمان، وخصوصاً منذ عام 1969 ، دول شقيقة اولاً في القومية ثم في الدين فالمذهب واخرى صديقة وثالثة عدوة عندما غذّت الانقسام المذكور استجابة لأصحابه بداية، ولاحقاً عندما استعملته بغية تأمين مصالحها وتنفيذ ايديولوجياتها وان يكن ذلك كله على حساب لبنان وشعوبه حتى التي منها حليفة لها.

 

طبعاً قد يحصر البعض المسؤولية عن الحال التعيسة الذي وصل اليها لبنان “بشعوبه” المتخلفة اولاً وآخراً لأنها هي التي استدرجت الخارج للتدخل او للمساعدة. وقد يحصرها البعض الآخر بالخارج الذي استغل الانقسام المذكور واحياناً كثيرة عمّقه والذي اخترع للبنانيين انقسامات جديدة وذلك بغية حماية مصالحه وتطبيق ايديولوجياته وما الى ذلك. والحقيقة ان من يطرح هذا الامر بقصد الحصول على مسؤولية واحدة سيواجه الفشل، فضلا عن ان نيته قد لا تكون سليمة، ذلك ان المسؤولية تتقاسمها “شعوب” لبنان والخارج المتنوع. هذا الخارج كان في مرحلة اسرائيلياً وفلسطينياً في آن واحد. وكان في المرحلة نفسها سورياً ايضاً اذ عمد رأس النظام السوري منذ عام 1970 الى استعمال الخارجين المذكورين ومعهما الشعوب اللبنانية بغية جعل لبنان اولاً ساحة تستضيف الصراعات والمواجهات الاقليمية وحتى الدولية التي يخوض من دون ان يتورط مباشرة وعلى نحو تكون عواقبه وخيمة. وثانياً، دولة تدور في فلكه بل يحكمها هو مباشرة وعبر وكلاء لبنانيين طيّعين.

 

 وقد نجح في ذلك عقوداً بسبب دهائه وذكائه وحسه الاستراتيجي وقدرته على احتواء الصدمات والخيبات وعلى توظيف الانتصارات، علماً ان نجاحه بدأ يتهدد منذ رحيله عن هذه الدنيا وانتهى بانسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005.  علماً ايضاً ان ورثته من السلطة قد يكونون بدأوا يتعلمون، وإن متأخرين، بعض اساليب الرئيس الراحل. وقد ظهر ذلك باستعادتهم مواقع مهمة في لبنان مع ان الإنصاف يقتضي الاشارة الى ان ذلك ما كان ممكناً لولا عاملين مهمين. اولهما، وجود ايران الاسلامية بوجودها “اللبناني” المسلّح والمميز الى جانب سوريا. وثانيهما، تعمق الانقسام اللبناني بحيث صار شاملاً كل المستويات. كما يقتضي الانصاف الاشارة ايضاً الى ان “المواجهة” لم تنته بعد، والى ان على الورثة في سوريا ان يبذلوا الكثير من الجهد ويظهروا الكثير من المواهب التي كانت للداخل كي يتمكنوا من اجتياز الاوضاع الصعبة التي عاشوا ويعيشون.


الدافع الى هذه المقدمة الطويلة هو السؤال الدائم عند اللبنانيين: ماذا تريد سوريا من لبنان؟ او هل لديها “أجندة” خاصة به تمس سيادته واستقلاله؟ وهو ايضا الجواب – الكليشه الذي ردده دائماً المسؤولون السوريون على الاقل منذ عام 1975 ومعهم حلفاؤهم اللبنانيون، رغم ان هؤلاء الحلفاء وبعد انقضاء وقت قليل على بدء تطبيق الطائف بدأوا يشكون في هذا الجواب لكن “ظروفهم” لم تكن تسمح لهم بالتصرف انطلاقاً من هذا الشك في حينه كما انها لا تسمح حالياً لبعضهم، رغم “خروج” سوريا رسمياً من لبنان، بالامر نفسه والجواب هو: نحن لا نتدخل بل نساعد ولا أطماع لنا.


هل من اجوبة عن السؤالين المذكورين؟


الحصول على اجوبة نهائية يقتضي أبحاثاً عميقة لتاريخ مزمن من التدخل السوري في لبنان، ويقتضي نهاية لهذا التدخل وقيام علاقات متوازنة واخوية وجيدة وسليمة ومتكافئة بين البلدين الشقيقين. والنهايتان لم تتحققا بعد. ولكن تبقى الاشارة ممكنة الى استخلاصات وصل اليها عدد من الذين “حالفوا” سوريا وخبروها والذين لا يزالون حلفاءها ولكن الذين يؤمنون بأن التحالف هذا يجب الا يمس سيادة لبنان واستقلاله ونظامه وعيشه المشترك. ومن هؤلاء مرجع سابق احترم نفسه فانكفأ ارادياً ومرغماً في الوقت نفسه عن المراكز ولكن ليس عن العمل السياسي، وبقي مؤمناً بالعلاقة اللبنانية – السورية المثالية او شبه المثالية رغم ان في ذلك قد يكون شيء من التمني او من المبالغة فيه. هذا المرجع السابق رد في جلسة صفاء على السؤالين المطروحين اعلاه بالكلام عن حادثتين ثم باستنتاج. الاولى، غضب نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام عليه، وكان ذلك في عز سطوته ونفوذه ايام الرئيس (الراحل) حافظ الاسد، لانه تحدث في خطاب جدّي ومسهب عن مجلس تنسيق أعلى بين لبنان وسوريا، وعن ضرورة احترام هذا المجلس استقلال لبنان وديموقراطيته وسيادته وما الى ذلك… ومبادرته (اي خدام) الى وصفه بـ”الكياني” امام كل من كان يلتقي من “الحلفاء” اللبنانيين لسوريا. والثانية، اثارة خدام في اجتماع مع “جبهة المحافظة على الجنوب” التي كانت قائمة قبل سنوات طويلة موضوع الاقضية الاربعة وكيف “تخلت” عنها سوريا للبنان، او كيف “سُلخت” منها. ورد المرجع السابق على ذلك بالتشكيك في صحة هذا الكلام مشيراً الى خرائط للبنان الموضوعة عام 1863 تتضمن هذه الاقضية. فاستاء خدام، طبعاً، ووصفه مرة جديدة بـ”الكياني”. ودار جدال قال فيه المرجع نفسه ما معناه ان التعاون والتنسيق يتمان بين دولتين شقيقتين مستقلتين وسيدتين وليس من دولة سيدة ومستقلة واخرى ممسوحة.


ووصلت اصداء الحادثة الاولى الى الاسد الاب فقال ان ما قاله المرجع اللبناني اول كلام عملي عن العلاقات اللبنانية – السورية. وكل ما قيل حتى الآن كان انشاء. اما الاستنتاج عند المرجع السابق فكان ان لحزب البعث الحاكم أجندة لبنانية لا تعترف باستقلال لبنان، اما الرئيس الاسد ورغم كونه بعثياً ورغم كون البعث حزباً حاكماً ورائداً، وقائداً فلم تكن له “أجندة” لبنانية كهذه وخصوصاً بعدما نجح في اقامة نظامه الخاص من ضمن نظام هذا الحزب.
هل الاستنتاج في محله؟


لسنا في هذه العجالة في وارد الخوض تفصيلاً في جواب تلزمه عناصر ومعطيات غائبة، رغم توافر عناصر ومعطيات كثيرة. لكن الصدق مع الذات ومع المرجع السابق الصديق الذي لا يشك احد في وطنيته وعروبته وايمانه بعلاقة وثيقة مع سوريا، كما مع العرب الآخرين، يقتضي القول ومن دون خجل استناداً الى المتوافر والكثير من المعطيات والمعلومات ان الاستنتاج المذكور اعلاه لا يزال موضع شكوك لبنانية وعربية ودولية وكذلك سورية. وهو سيبقى كذلك الى ان يثبت النظام السوري، وتحديدا ورثة مؤسسه الفعلي الاسد الاب، وربما جهات سورية اخرى بالملموس اعترافهم بلبنان السيد والمستقل.

المصدر:
النهار

خبر عاجل