إنذار أخير قبل أن يشعل النار
مصطفى علوش
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
(المتنبي)
وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
(المتنبي)
الشخصية التطهيرية أو البوريتانية في السياسة، أو بتوصيف آخر الأصولية، قام بتعريفها عالم النفس الاجتماعي تيودور ميلون، وهي شخصية غير محددة عند الكثير من علماء النفس، هي شخصية شديدة التحكم تغطي انفعالاتها وفورات غضبها من كونها تتحدث باسم الحق. العام بالنسبة للقائد التطهيري مقسوم إلى فسطاطين الخير والشر والقديسين والشياطين، أما دوره فهو المخلص. ويبرر هذا القائد الوسائل العنفية التي يتبعها بنسبتها إلى إرادة إلهية لمحاربة الشر.
لا داعي للإعلان عن أي ظهور علني لأمين عام حزب الله، فبمجرد سماع أصوات الرصاص يشعل سماء ضاحية بيروت الجنوبية، أو أي مكان واقع تحت سلطة دولة حزب الله، نعلم أن السيد قد ظهر ليتكلم. وبما أن كلامه هو أشد من الرصاص، فلا داعي لتوفير الذخيرة لمواجهة العدو، ويكفي الكلام لنلحق به الهزيمة. وما العدو هنا طبعاً هو الإسرائيلي، بل انه الدولة والوطن الذي حلمنا به واحة للتعددية والديموقراطية، في شرق صحرته الديكتاتوريات والخرافات العقائدية.
ولكن ما لنا ولكل ذلك، حيث إن شعر المتنبي أفضل تعبير عن واقع الحال، ومع ذلك فسأحاول نقاش ما جاء في حوار السيد حسن نصرالله الطويل الذي ختمه بتوجيه الانذار الأخير قبل أن يقرر إشعال النار التي صرّح بأنه غير متأكد من انه يستطيع السيطرة عليها.
قال أمين عام حزب الله أن لحزب الله تأثيراً في إيران أكبر من تأثير إيران بحزب الله، وهذا كلام صحيح، فالواقع هو أن سلطة الولي الفقيه تعتبر لبنان ولاية إيرانية مميزة تحت حكم حزب الله الذاتي، ولكن في ظل راية الولي الفقيه الجامع للشرائط. والحقيقة أيضاً هي أن ما يحدث في لبنان يؤثر بشكل مباشر على الواقع الداخلي والدولي لإيران.
ويقول بعدها أن سوريا فضلت مصلحة المعارضة على مصالحها من خلال حركة المفاوضات والضغوطات الدولية. والواقع هو أن ما تفعله المعارضة هو ما يمثل مصلحة النظام السوري، ويستخدم ما يسميه مصلحة المعارضة لتحسين شروطه التفاوضية، والتي تعتمد على إقناع العالم بإعادة توكيله بلبنان لأن اللبنانيين غير قادرين على حل خلافاتهم.
وعاد إلى نغمة انه يعتقد أن إسرائيل هي وراء الاغتيالات التي يتعرض لها أركان قوى 14 آذار، وهذا منطقي لان عدو إسرائيل الحقيقي هي القوى الديموقراطية في لبنان وسوريا وفي كل محيطها، ولكن العبرة هي في من ينفذ على الأرض هذا التوجه، في الوقت الذي تشير كل الدلائل إلى أعلى الهرم في النظام السوري في قرار اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ويكفي ذكر من كانت القوة الطاغية اثناء الجريمة ومن بعدها من اتهم بالعمالة من طالب بتحقيق دولي، ومن ثم حاول بكل الوسائل إعاقة إنشاء المحكمة عبر حزب الله في لبنان وعبر قطر وروسيا في الأمم المتحدة أو عبر خلق شهود وهميين لتضليل التحقيق.
شدّد حسن نصرالله على ان الصراع في لبنان هو ليس مع 14 آذار، بل مع جورج بوش ورايس الساعين للقضاء على المقاومة. والواقع هو أن المواجهة التي تقودها قوى 14 آذار هي ليست ضد المقاومة بل على العكس، فإنها وجه من وجوه المقاومة لحماية حرية واستقلال لبنان في مواجهة المشروع الذي يحمله حزب الله في إلحاق لبنان تحت ظلال ديكتاتورية الولي الفقيه والساعي إلى استمرار لبنان في كونه مساحة الصراع الوحيد كبديل عن دخول إيران وسوريا مباشرة في هذا الصراع.
واتهم الأمين العام قوى 14 آذار بالشتائم والتهويل وكأنه لا يشاهد تلفزيون المنار ولا يسمع ما يقوله مساعدوه ونواب حزبه، ولا زائريه الدائمين من الطفيليات الذين يخرجون للتصريح أمام بابه العالي شتماً وتهديداً وهدراً للكرامات.
ويعود ليقول بعدها إن المشكلة في تمترس بعض القيادات وراء الحاجز المذهبي. والسؤال موجه الآن له وهو من وضع مسألة سلاح حزب الله، وهو سلاح سياسي، داخل القلعة الشيعية بعد ان صور للشيعة ان هذا السلاح هو أحد عناصر القوة لحماية مصالح هذه الطائفة؟
ولكن البهتان الواضح كان في محاولته اقناع الناس بأنه رفض قانون 2005 للانتخابات، في حين ان الواقع كان شرط حزب الله وحركة أمل للاتفاق الرباعي السيئ الذكر هو اعتماد هذا القانون.
كما ان ذهاب حزب الله الى تحالفاته الأولى كان لأنه يحمل في الأساس مشروعاً إسلامياً يرغب في ضم كل المسلمين تحت رايته من شيعة وسنة بقيادة الولي الفقيه.
على كل الأحوال، فقد كان هذا التحالف هو الوسيلة لهذا الحزب للدخول في السلطة التنفيذية للتعويض عن الهيمنة التي مارسها النظام السوري على القرار اللبناني اثناء الاحتلال. أما ما فجر هذا الاتفاق لاحقاً فقد كان اصرار حزب الله على دعم القرار السوري بتعطيل المحكمة الدولية، وتغطية قوى 8 اذار على الارهاب والاغتيالات التي نفذها هذا النظام بحق قوى 14 اذار.
ثم يعود ليقول انه يريد منع اقامة قاعدة اميركية في لبنان، وهو شيء غير وارد ومرفوض بالنسبة لنا، ولكن السؤال هو ما سنفعله بالقواعد الايرانية التي فرخت على مساحات واسعة من لبنان؟
اما لناحية إجهاض المشاريع الاميركية الصهيونية لتوطين الفلسطينيين فما عليه الا دعم مسار الدولة ومنع الفلتان العسكري الذي يمثله سلاح حزبه، ورفع سيف التعطيل وسياسة الافقار المتعمد لاضعاف أركان الدولة أمام دولته، وبهذه الطريق فقد نتمكن من مواجهة كل مشاريع العالم.
أما بالنسبة لاتفاق الطائف فموقف حزب الله لم يتغير منه باعتباره اتفاقاً لمصلحة المسيحيين كما أعلن مسؤولوه سنة 1989. والواقع هو ان هذا الاتفاق وقف عائقاً في سبيل سيطرة هذا الحزب على كل لبنان. أما العماد ميشال عون فيبدو انه أعاد حساباته واقتنع بالمثالثة كمحطة على طريق فيدرالية طرحها بوضوح في وثيقته المسيحية.
أما طرح الأمين العام لمبدأ الشراكة فان هذه الشراكة تكون كاملة فقط متى يضع قرار حزبه العسكري والديبلوماسي تحت سلطة الدولة اللبنانية.
والسؤال هنا لو كان يريد الشراكة لكان شارك وزراءه الحكومة التي كانوا فيها في قرار خطف الجنود الذي أدى الى الكارثة الكبرى المعروفة بحرب تموز 2006.
أما الجزء المتعلق برؤيا السيد الداخلية للاقتصاد والانماء فقد غلفها بشعارات شعبوية لا جدوى لا في باطنها ولا في ظاهرها. ويكفي أن تأخذ مثاله الأعلى في هذا الموضوع وهو إيران حيث أكثرية المواطنين يقبعون تحت خطر الفقر رغم الثروات النفطية.
أما طرح العرف الذي اقترحه ليكون بشكل دائم الأساس في تشكيل الحكومات، وهو أن تعكس تشكيلة الحكومة موازين القوى الطائفية في المجلس النيابي، وهذا يعني عملياً أن تكون الحكومة تتمتع دائماً بشبه إجماع نيابي مما يعني إلغاء دور المعارضة أو تهميشها الى أقصى الحدود، وجعل كل الحكومات القادمة محصنة ضد طرح الثقة بها، وهذا يعني أيضاً إلغاء دور الأقليات السياسية ضمن الطوائف ومنعها من الدخول في أحلاف سياسية مع القوى السياسية في الطوائف الأخرى، وإجبارها على الرضوخ للاجماع السياسي ضمن الطائفة، وهذا يعني عملياً إلغاء الحق الديموقراطي بالاختلاف.
بالمحصلة فإن الحكومة في هذه الحالة تصبح عملياً مجلس إدارة فيدرالي بدل حكومة اتحاد وطني.
في النهاية، فقد طمأننا سماحته بأن وضع لبنان لا يزال أفضل من فلسطين والعراق ولكننا متأكدون أنه في حال استمر حزب الله بجهوده فسوف يعطي الفرصة لأهلنا في فلسطين والعراق ليقولوا نفس الشيء عن لبنان.
نحن الآن على عتبة أمل جديد من خلال المبادرة العربية، والوسيلة الوحيدة لضمان استمرار لبنان ومن ضمنه جمهور حزب الله هي بالتراجع عن وهم الانتصار وتسهيل انتخاب رئيس لنعود بعدها ونناقش تناقض خياراتنا الوطنية تحت رعايته فالفرصة التي يراها حزب الله بأنها تاريخية لفرض هيمنته قد تكون هي ذاتها المقدمة لنهايته من خلال حافة الهاوية التي يتبعها.