من “العصفورية الدستورية” إلى “شريعة الغاب” !
غسان تويني
بادئ ذي بدء، يطيب لنا تحية سيادة الامين العام على صبره وقدرته على احتمال بعض مناظرات “العصفورية الدستورية” حول تأليف الحكومة العتيدة، رغم وضوح قرار مجلس جامعة الدول العربية بتأجيل البحث الى ما بعد انتخاب رئيس الجمهورية ليجري آنذاك “وفقاً للاصول الدستورية”… وكأنما القصد انما هو بالذات الحؤول دون العودة الى التصرف وفق هذه الاصول التي طال “استفقادنا” لها، واحلال “شريعة الغاب” (والتعبير مستعار من علم القانون الدستوري و”القانون العام”!).
وشريعة الغاب هذه، بالطبع ولا حاجة الى كثير توضيح، تنسجم كلياً مع منطق “التخييم” في ساحة دار الحكومة بدل التمثل السياسي الدستوري في مجالسها.
وشريعة الغاب هذه، بالطبع ولا حاجة الى كثير توضيح، تنسجم كلياً مع منطق “التخييم” في ساحة دار الحكومة بدل التمثل السياسي الدستوري في مجالسها.
مما يدعونا الى التساؤل بكثير من الجدية، عما اذا كان “المطلوب” لدى البعض هو تأليف حكومة القصد منها ان تنسجم الى الحد الاقصى من “التوافق”، او تحكم ولو “بحد ادنى” من التوافق كالذي كان متوافراً في الحكومة الحاضرة، ايام لم يتسبب قرار مجلس الامن عن المحكمة الدولية، بأول استقالة تهويلية، ثم تسبب اغتيال سمير قصير وجبران تويني بالاستقالة التي ادخلت الى العلوم الدستورية نظرية “الثلث المعطل” كنهج جديد في الممارسة الوزارية… علماً بأن استقالة الوزراء – غير المقبولة – لا تمنع بعضهم من ممارسة الحكم عندما يطيب لهم ذلك، او عندما يستطيعون من الحكم ما يطيب لهم، فينسجمون كما ينسجم وزير الخارجية (المستقيل، فلا يحضر مجلس وزراء جامعة الدول العربية) انما لا تمنعه استقالته من استقبال الامين العام لهذه الجامعة عند وصوله للقيام بجولته اللبنانية تنفيذاً لمقررات ذلك المجلس!!!
اما بعد، فلولا احترامنا لانسانية كل الساسة اللبنانيين، لتساءلنا ما اذا كانوا يعرفون حقاً ان المطلوب تأليف حكومة تحكم الناس وتسوس حياتهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وان الحكومة المطلوب تأليفها لا يفترض فيها ان يتصرف اعضاؤها وفق “شريعة الغاب” حيث يسود الخوف من حيوانات كاسرة لا هم لها سوى افتراس سائر اعضاء حكومة “الغاب”…
ترى، ماذا يمنعنا من ان نختبر استظلال رئيس جمهورية جديد لحكومة يقول مجلس جامعة الدول العربية ان عليه هو – أي الرئيس العتيد… لا الامين العام لهذه الجامعة ولا أي أحد سواه – ان يؤلفها وفقاً للاصول الدستورية؟ ام تكون اجواؤنا “الجاهلية” قد بلغت حداً يجعلنا نستطيب نصب خيمنا البدوية حول هاوية حتى نرى أيها تكون السباقة الى الهبوط بمن فيها الى قعر الهاوية حيث لن تجد من يفترس اهلها، وحيث لن تقدر هي على افتراس اهل المخيمات الاخرى… ولن نجد كلنا معاً من يصفق لنا متسلياً بهذا السباق الدستوري العصفوري ليكتمل الجنون، لان الشعب، شعب الناس العاديين، الشعب الذي بدأ يكفر بالدولة جوعاً فلا يطرب لاناشيد التيئيس من أنّى أتت ولا يزال على درجة من العقل تجعله يقدر على التمييز بين المجانين المدعين الخوف من جنون الآخرين، الخ… الخ، مفهوم؟
نعم، المفهوم ان ثمة دوراً ينتظر بطلاً.
هذا الدور هو دور “الضامن” لا لحقوق الاقلية، بل لحق الجمهورية في الحياة.
هذا الدور هو دور “الضامن” لا لحقوق الاقلية، بل لحق الجمهورية في الحياة.
والبطل الاقرب الى الدور هو الرجل الرجل الذي لم يتأخر ساعة في اعلان ادراكه ان قرار جامعة الدول العربية هو “تاريخي” وتالياً واجب التنفيذ، وليس الموت مع المخيمات وسكانها من اهل شريعة الغاب في قعر هاوية الانتحار!
فعجّل، عجّل يا دولة الرئيس البري وادعُ المجلس الى الانعقاد لانتخاب الرئيس الذي ظننا اننا توافقنا جميعنا على ترشيحه، قبل ان ينتابه هو اليأس من جمهورية تريده ان يختار بين جنون “العصفورية الدستورية”، الرافضة لكل شرعية الا “شريعة الغاب”، و”هاوية” الانتحار الدستوري التي لا يشده اليها ولا سبب.
وختاماً، هذه الرسالة الى صديقنا الامين العام عمرو موسى… حذار ان يستدرجوك الى حيث قلت انك لا تريد الذهاب، الى زواريب المناقشات العقيمة.
وختاماً، ختاماً… الى رئيس حكومة قطر الذي نعرف ان حبه للبنان هو الذي جعله “يوظّف” قربه من دمشق ورئيسها في سبيل انقاذ لبنان والأخوة الحقيقية بين لبنان وسوريا. وليجعل هذه الأخوّة تتمرد على منطق “شريعة الغاب”… ونعيق البوم في ظلام الليل!