يعترضُ على “قوّة” سليمان ولا يريد أن يرى الحريري في السرايا
النظام السوري الذي دفع المبادرة الفرنسيّة إلى الفشل لن يعطي المبادرة العربية فرصة النجاح
النظام السوري الذي دفع المبادرة الفرنسيّة إلى الفشل لن يعطي المبادرة العربية فرصة النجاح
نصير الأسعد
كلّ المعطيات القائمة الآن تؤكد بما لا يدع مجالاً للشكّ أنّ النظام السوري الذي دفع المبادرة الفرنسية إلى الفشل لن يمنح المبادرة العربية فرصة النجاح.
لماذا يقبل نظام الأسد المبادرة العربية؟
فإذا كانت المبادرة الفرنسية “أعطته” فرصة تحقيق “المصالحة” مع المجتمع الدولي والنظام العربي انطلاقاً من تسهيله حصول الانتخابات الرئاسية ورفضَها، فماذا تضيف له المبادرة العربية كي يقبلها؟. أكثر من ذلك، ولأنّ المبادرة العربية أتت بعد دفعه المبادرة الفرنسية إلى الحائط المسدود، ولأنّ موقفه هذا ووجه بموقف عربي متشدّد وبموقف دولي مشابه، ولأنّ الدول العربية الرئيسية كانت تجري له ما يشبه الاختبار “الأخير” قبل إقدامها على خطوات متدرّجة تؤدّي إلى نزع الشرعيّة العربية عنه، فقد جاءت المبادرة العربية شديدة الوضوح في نصّها. ووضوح النصّ إنّما القصدُ العربي منه ألاّ تكون للنظام السوري أيّ ذريعة لـ”عدم الفهم” وللتعطيل تالياً.
..ويرفضُ “التساوي” حتّى
ثمّة عدد من المحللين اعتبر انّ في البند الثاني من المبادرة العربية والمتعلّق بـ”حكومة الوحدة الوطنية” إلتباساً، إذ يتحدّث النصّ عن عدم تمكين أيّ طرف من اتخاذ القرار “أو” إسقاطه، الأمر الذي فسّر على أنّه يعني التساوي بين الأكثرية و”المعارضة” في الحكومة المقبلة. لكن ما يتجاهُله بعض المحللين هو أنّ النصّ يتضمّن عبارة “أن تكون لرئيس الجمهورية كفّة الترجيح”. وعندما يُقال “ترجيح” فإنّ ذلك يعني انّه حيث يميل رئيس الجمهورية تميل الكفّة، فإذا مال إلى الأكثرية يتشكّل ثلثا القرار وإذا مال إلى “المعارضة” يتشكّل ثلث التعطيل. ولو كان “المشترع العربي” يريدُ التساوي لقال بتشكيل الحكومة بالتساوي ولما كان قال بـ”كفّة الترجيح”. وعلى أي حال، وعلى إفتراض انّ الالتباس موجود بالفعل، فإنّ النظام السوري و”المعارضة” يرفضان حتى التساوي. وقد قالها الناطق باسم النظام السوري و”المعارضة” العماد ميشال عون بوضوح: انّ حكومة من ثلاثة أثلاث تسمح لفريقين بالاتفاق على الفريق الثالث.
تأسيساً على هذه المقدّمات، لا بدّ من تسليط الضوء على نقاطٍ “تحكمُ” تعاطي النظام السوري و”المعارضة” مع المبادرة العربية والتي “حكمت” تعاطيهما مع كلّ المبادرات سابقاً.
قوة سليمان في المدَيين اللبناني والخارجي
بدايةً، ثمّة من يعتقد أن لا اعتراض للنظام السوري و”معارضته” على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. وهذا الاعتقاد مبنيّ على انّ قائد الجيش الذي وقف في “نقطة الوسط” حيال الصراع الذي يشهده لبنان وأبقى خطوط الاتصالات مفتوحةً مع الجميع، لا يشكّل تحدّياً لأحد ويمكنُه أن يكون “مناسباً” للجميع.
بيد أنّ هذا الاعتقاد ليس صحيحاً لأسباب أساسية أخرى. أخذ ترشيح العماد سليمان كرئيس توافقي بعداً كبيراً عندما تبنّت 14 آذار هذا الترشيح. وتلقّى ترشيحه دعم النظام العربي والمجتمع الدولي. وبكلام آخر، يستظلّ سليمان باتفاق لبناني ـ عربي ـ دولي، وهذا ما يُشعر النظام السوري و”المعارضة” بالريبة والشكّ. ذلك أنّ رئيساً توافقياً في الداخل و”مرعيّاً” عربياً ودولياً هو رئيس قويّ من ناحية ورئيس “ندّ” لبشّار الأسد وللرؤساء العرب من ناحية ثانية، ورئيسٌ يستطيع أن يدير سياسة لبنان بتوازن دقيق بين مصلحة التوافق داخلياً ومحصّلة الموقف العربي وحُسن العلاقة بالمجتمع الدولي خارجياً.
وهذا الرئيس لا يرتاح نظام الأسد إليه. ليس فقط لأنّه تعوّد على وجود أداة له في قصر بعبدا، بل لأنّ الرئيس في لبنان من وجهة نظر النظام السوري، هو من تختاره دمشق وتتولّى هي “التفاوض” حوله إذا كان لا بدّ من تفاوض، ولا ترغب في أن ترى رئيساً يأتي “عكس السير” أي “من” لبنان والنظام العربي والمجتمع الدولي “إلى” سوريا حتّى لو كان هذا الرئيس ذا نوايا حسنة تجاه دمشق أو صادقاً في توجهه إلى بناء علاقات جدّية معها.
الوزير الخليجي و”الفحص”
في هذا السياق، تفيدُ معلومات عالية الصدقيّة انّ النظام السوري الذي اعتاد خلال عقود “فحص” المرشحين الرئاسيين، يرغب في “فحص” ميشال سليمان. وفي المعلومات نفسها انّ نظام الأسد طلب من وزير خليجي يمكن أن يزور لبنان قريباً جداً أن يلتقي بسليمان لـ”يدرس” معه التعهّدات الجانبية التي يمكن أن يعطيها لدمشق. ومعلومات أخرى تقول انّ في ذهن الوزير الخليجي ـ المحبّ لسوريا وإسرائيل وأميركا وإيران و”حزب الله” معاً ـ اقتراح زيارة يقوم بها سليمان إلى العاصمة السورية. وإذا عدلَ الوزير عن الزيارة يكون السبب انّه اكتشف سلفاً عقم المحاولة.
إذاً، النقطة الأولى التي “تحكم” تعاطي النظام السوري و”معارضته” مع المبادرة العربية، هي الريبة حيال المظلّة المتوافرة للعماد سليمان.
فقد وصل الدعم العربي لسليمان إلى حدّ إيجاد “عُرف” تحت مسمّى “كفّة الترجيح”، وهو “ترجيح” لا ينصّ عليه اتفاق الطائف ولا الدستور، لا بل كان عنوان صراعات سياسية محتدمة منذ الطائف ولم يعترف به لأيّ رئيس للجمهورية. وهذا “العرف” الذي ترسيه المبادرة العربية يمكنُ نقاشه دستورياً أي الجدل بشأنه، لكن لا جدال في انّ النظام العربي أراد من ذلك إيجاد مخرج “سياسيّ ” من أزمة سياسية من جهة، وأراد تأكيد تمسّكه بـ”النموذج” اللبناني وبـ”الخصوصيّة” المسيحية من جهة أخرى. وكلّ ذلك من شأنه أن يجعل من ميشال سليمان رئيساً “استثنائياً”.
الأردن وما يطرحه النظام السوري
أمّا النقطة الثانية التي يجدر تسليطُ الضوء عليها فهي تتعلّق بالحكومة رئيساً وتركيبةً.
في المعلومات انّ النظام السوري شعر في السادس من أيلول الماضي بالهلع بعد الغارة الإسرائيلية في منطقة دير الزور داخل سوريا. حاول الاستنجاد بكثيرين لكنّه استنجد بالأردن. لبّى الأردن نداء الاستغاثة وكان مسارٌ يطول البحث فيه أي في سياقاته، أدّى إلى دعوة نظام الأسد إلى مؤتمر أنابوليس. وبعد حضوره في أنابوليس يبدو انّ النظام السوري شعر بوجود حماية إسرائيلية له. وكانت إسرائيل شرحت للأردن انّ “غارة أيلول” لم تكن إشارة إلى نوايا إسرائيلية عدائية ضدّه، بل كانت تستهدف ضرب موقع يرمز إلى العلاقة السورية ـ الإيرانية.
“المهمّ” انّ نظام دمشق شعر بـ”طمأنينة”. وفيما كان مسؤول أردني ي
تابع الاتصالات مع الجانب السوري، و”خلال” المبادرة الفرنسية، سمع هذا المسؤول الأردني من مسؤولين سوريين منهم من هو مسؤول أمني، انّ سوريا لا تقبل أن يكون رئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري رئيساً للحكومة اللبنانية ولا أن يعود الرئيس فؤاد السنيورة أيضاً. وتحدّث الضابط السوري عن ثلاثة أسماء (لا مجال لذكرها “الآن”) وأكد في مجال آخر انّ “الثلث المعطّل” (الضامن!) لا رجعة فيه. وفي ذلك الوقت جرى تبادل هذه المعلومات بين الأردن وعاصمتين عربيتين رئيسيتين فهمتا انّ النظام السوري يستعدّ لنسف المبادرة الفرنسية.
“الأواني المستطرقة” و”العصا” العربية
لماذا تضليل النقاش إذاً؟.
إنّ النظام السوري لا يثقُ برئاسة ميشال سليمان خصوصاً في السياق اللبناني ـ العربي ـ الدولي الراهن. لو انّ “خطّ السير” كان مختلفاً أي لو كان ترشيح سليمان قراراً سوريا أو اتفاقاً سوريا ـ أميركياً “ثنائياً” لاختلف الأمر. وعلى أيّ حال، لو كان الترشيح اتفاقاً سوريا ـ أميركياً لأحدث ذُعراً إيرانياً ـ حزب اللّهياً، ولذا لم يكن الترشيح كذلك.
والنظام السوري يريد لنفسه، لوحده من دون “ترجيح” من أحد “الثلث المعطّل”، لأنّ حصوله عليه يعني التحكّم بلبنان وقراره.
والنظام السوري الذي يكرّر أتباعه صبح مساء أنّ اتفاق الطائف مات، يريدُ دفنه. ألم يقُل الأتباع أن لا رئيس مارونياً كإميل لحود وأنّ لحود هو آخر رئيس ماروني؟. ألم “يستذوق” نظام الأسد رئيساً للبنان جرى إعدادُه منذ “نعومة أظفاره” و”ترقيته” تباعاً وصولاً إلى رئاسة الجمهورية؟.
والنظام السوري مطمئنّ من ناحية إسرائيل. وهذا بالرغم من المعلومات التي تؤكد انّ الولايات المتحدة “ضربت إسرائيل على يدها” في الآونة الأخيرة وطالبتها بعدم عقد صفقة إسرائيلية ـ سورية “على حساب لبنان”.
إذاً، ها هي “الأواني المستطرقة” بين دمشق وطهران وحارة حريك والرابية “تنضح” بما فيها. وكلّ ما تقدّم هدف إلى القول انّ الأمور ليست بحاجة إلى “تبصير”.
ليس دقيقاً ما يقولُه البعض من إنّ عدم وجود “أنياب” للنظام العربي يُتيح للنظام السوري اللعب على الوقت. ذلك انّ النظام العربي يملك “عصاً”. والعصا هنا هي موقف تتخذه الجامعة العربية في 27 الجاري يكشف الحقائق. وبعد ذلك لكلّ حادث حديث.