الأولوية لحل عقدة الخلاف الدستوري بعيداً من التفسيرات السياسية
انتخاب سليمان بشبه اجماع يُبطل امكان الطعن فيه
انتخاب سليمان بشبه اجماع يُبطل امكان الطعن فيه
اميل خوري
لا تزال سوريا كما يبدو تمارس سياسة المناورة في مواجهة الحلول المقترحة لأزمة الاستحقاق الرئاسي في لبنان، فقالت “نعم” للحل المقترح في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، وتركت لحلفائها في لبنان ان يقولوا “لا”، ممهدة لذلك بالقول: “ان ما اتفق عليه هو سلة شاملة” تؤمن حل الازمة ولا يمكن احدا لا الجامعة العربية ولا غيرها فرض الحلول على اللبنانيين انما الحل يكون بالاتفاق بين جميع الافرقاء وان سوريا توافق على ما يتفق عليه اللبنانيون”.
وهكذا تضع سوريا كل مرة وفي وجه اي حل شرطَ اتفاق كل الافرقاء اللبنانيين عليه، وهي تعلم انهم لن يتفقوا، حتى اذا ما طلب منها التدخل لدى حلفائها في لبنان كي يوافقوا على هذا الحل، فانها تدعي ان لا تأثير لها الا على “التحالف الشيعي” اي على “حزب الله” وحركة “امل” وهذا التحالف يدّعي من جهته انه لا يستطيع الموافقة على ما لا يوافق عليه العماد ميشال عون حليف هذا التحالف وقد فوضت اليه المعارضة التحاور مع الاكثرية، والاكثرية لا ترى جدوى من محاورته لأن لها تجارب مخيبة معه وهو تالياً حرف لا يقرأ، مع التذكير بأن وزير الخارجية السوري وليد المعلم كان قد صرح بأن من ينتظرون من سوريا الضغط على حلفائها في لبنان، انما هم واهمون…
يقول مصدر وزاري ان الحل العربي لأزمة الاستحقاق الرئاسي هو حل واضح لا يحتاج الى تفسير او تأويل او اجتهاد فهو يبدأ بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية حسب الاصول الدستورية بعدما صار اتفاق عليه لبنانياً وعربياً ودولياً، ومن ثم يصار الى تأليف حكومة بعد اجراء استشارات بحسب الاصول الدستورية ايضا، على ان لا يكون للأكثرية فيها سلطة التقرير ولا للاقلية فيها سلطة التعطيل بل يكون لرئيس الجمهورية الصوت الوازن، وان تتولى هذا الحكومة وضع قانون عادل ومتوازن للانتخابات النيابية.
وما دام هذا الحل يبدأ بانتخاب فوري للعماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية ومن ثم الانتقال للبحث في تشكيل الحكومة بعد استشارات تسمّي رئيس الحكومة، وعندها يصير البحث مع هذا الرئيس في موضوع الحصص والحقائب، فإما يتم اتفاق عليها مع القوى السياسية الاساسية في البلاد ومع رئيس الجمهورية او لا يتم اتفاق، وعندها يعتذر الرئيس المكلف عن عدم تمكنه من تشكيل الحكومة، او يستمر في محاولاته توصلا الى اتفاق.
ويضيف المصدر نفسه ان الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى تساءل كيف يتفق الجميع على ان يكون العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية ثم يكون تجاذب وخلاف على كيفية انتخابه.
الواقع، ان تشكيل الحكومة والدخول في تعقيدات توزيع الحصص والحقائب بين الاكثرية والمعارضة ينبغي ان لا يدخل في موضوع الانتخاب الا بعد ان يتم هذا الانتخاب ويباشر رئيس الجمهورية مهماته باجراء استشارات لتسمية رئيس الحكومة الذي يكلف تشكيل الحكومة.
اما الخلاف على انتخاب رئيس الجمهورية الذي يحتاج الى معالجة، فهو خلاف حول اجراء هذا الانتخاب بعد تعديل المادة 49 من الدستور او باجرائه بموجب المادة 74. فالاكثرية ترى ان يتم الانتخاب بعد تعديل المادة 49 لأن اجراءها، بموجب المادة 74 يجعل الانتخاب قابلا للطعن او يبقى سيفاً مصلتاً فوق رأس رئيس الجمهورية ووسيلة ضغط وابتزاز له كلما تصرف على نحو لا يعجب البعض، والاقلية المعارضة لا توافق على تعديل المادة 49 من الدستور لاتاحة انتخاب العماد سليمان رئيساً للجمهورية، لأن هذا التعديل يفرض ان يمر بحكومة لا تعترف بشرعيتها، لذا فانها تقترح اجراء هذا الانتخاب بموجب المادة 74. فاذا وضع هذا الخلاف في اطاره الدستوري وليس في اطاره السياسي، فينبغي الوقوف على رأي رجال القانون في هذا الصدد والعمل بما يرتأون.
وبسؤال مرجع دستوري عن رأيه في هذا الخلاف اجاب: “ثمة رأي يتداوله البعض يميل الى تفسير المادة 74 من الدستور بأن من شأنها ان تبرر عدم التقيد بالموانع المنصوص عليها في المادة 49، بمعنى انه يجوز انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية وان لم يكن قدم استقالته قبل سنتين من تاريخه، ذلك ان، بحسب الرأي المذكور، خلو سدة الرئاسة هو حدث مفاجئ لا يمكن تقييده بأية مهلة تسبقه. الا ان هذا الرأي هو بدعة تصطدم باعتبارين يبطلانه: الاول، ان خلو سدة الرئاسة في الحالة الراهنة ناتج من انتهاء ولاية الرئيس السابق، وهو حدث معروف في الزمان والمكان وينضوي تحت الاحكام التي تسود عملية الانتخاب بصورة عامة ولا سيما المادة 49، والثاني: ان المادة 74 تتعلق بخلو سدة الرئاسة اثناء ولاية الرئيس وذلك بسبب وفاته او استقالته او اي سبب آخر. وهذه العبارة الاخيرة لا يمكن فصلها عن سياق النص الواردة فيه، اي شخص الرئيس غير المنتهية مدته بعد، علما بأنها مأخوذة اصلا وبحرفيتها عن دستور 1875 في فرنسا والتي فسرها اجماع الفقه هناك بأنها تعني حالات تتعلق بشخص الرئيس غير المنتهية مدته، كالمرض الخطير او الشلل الذي يتعذر معه على الرئيس ان يتكلم او يوقع امضاءه، او حالة اتهامه بالخيانة العظمى او خرق الدستور، او الحكم عليه بسببهما، وكلها امور تتعلق بشخص الرئيس وتحصل اثناء ولايته، ولا علاقة لها، ولا تحجب ابداً احكام المادة 49.
ويضيف المرجع نفسه انه اذا اقتضى الامر تجاوز الآراء المتداولة، فان انتخاب العماد سليمان سيجد نفسه محصنا بستار دستوري مانع ECRAN DE LEGALITE ذلك ان الطعن بعملية انتخابه يفترض التقدم بمراجعة ابطال من ثلث اعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب على الاقل امام المجلس الدستوري الذي عليه ان يُصدر قراره في مهلة ثلاثة ايام على الاكثر من تاريخ ورود المراجعة، وعلى ان يُصدر قراره في غرفة المذاكرة بأكثرية سبعة اعضاء على الاقل في الدورة الاولى، وبالاكثرية المطلقة من مجموع اعضاء المجلس في الدورة الثانية (المادة 41 والمادة 42 من القانون رقم 243/2000 النظام الداخلي للمجلس الدستوري). الا ان ثمة عقبتين يفترضان ذلك هما: اولا صعوبة ايجاد اكثرية تتألف من ثلاثة واربعين نائبا للطعن من اصل هيئة تكون انتخبت بشبه اجماع العماد سليمان رئيساً للجمهورية، وثانيا، واستطراداً كلياً ان المجلس الدستوري لا يجمع في الوقت الراهن النصاب المطلوب لاصدار القرار. وهكذا فان العماد سليمان اذا انتخب رئيساً، فلن يكون طعن في انتخابه للاسباب المذكورة آنفا.
الى ذلك يرى المصدر الوزاري نفسه ان المعارضة اذا كانت بصدق مع العماد ميشال سليمان، فما على نوابها سوى حضور جلسة الانتخاب كي يتم انتخابه بشبه اجماع وعلى اساس المادة 74 لأن هذا يحول دون حصول طعن بانتخابه لتعذر توافر ثلث الاعضاء الذين يتألف منهم مجلس النواب للتقدم بالطعن امام المجلس الدستوري، اما اذا لم تكن المعارضة مع انتخاب العماد سليمان، فانها لن تعدم وسيلة لعرقلة انتخابه مثل اشتراط الاتفاق على كل بنود الحل العربي واعتبارها كلاً لا يتجزأ بما فيها بند تشكيل الحكومة لمعرفة حصتها فيها والحقائب التي ستسند الى ممثليها لضمان مشاركتها الفعلية، وكذلك معرفة رئيس هذه الحكومة وربما اسماء الوزراء الذين سيختارهم رئيس الجمهورية ليشكلوا الصوت الوازن ولمن ينتمون… وان اغراق الحل العربي بهذه التفاصيل التي ينبغي البحث فيها بعد انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية، يكشف حقيقة نيات سوريا وحلفائها في لبنان حيال الحل العربي وكل حل آخر لأزمة الاستحقاق الرئاسي، وهي انها لا تزال تفضل الفراغ الذي يدخل لبنان المجهول ويضعه امام شتى الاحتمالات.