“التفاؤل” بانتخابات رئاسية تسبق القمة العربية في دمشق
تناقضه وقائع حالية وتاريخية راسخة وعوامل إيرانية
تناقضه وقائع حالية وتاريخية راسخة وعوامل إيرانية
مهمة موسى محكومة بقواعد سورية عطّلت مهمة كوشنير
فارس خشّان
أكثر النظريات المتفائلة في لبنان تتحدث عن أن الإنتخابات الرئاسية لن تجري قبل آذار المقبل، وتحديدا عشية الموعد المقرر لانعقاد القمة العربية في دمشق.
في اعتقاد أصحاب هذه النظرية أن النظام السوري يستحيل أن يسمح للقمة العربية بأن تنعكس سلباً عليه، من خلال تسجيل قطيعة واسعة تقودها المملكة العربية السعودية التي جزمت بأنها لن تذهب الى قمة دمشق إذا لم يذهب القصر الجمهوري اللبناني الى قائد الجيش العماد ميشال سليمان.
ويرى هؤلاء أن النظام السوري يتوسل الإنفتاح العربي والأوروبي والدولي لبسط هيبته على شعبه الذي يتعرض لواحدة من أقسى عمليات القمع على يد “المافيا الإستخباراتية”.
ولكن هؤلاء يشيرون الى أنّ النظام السوري، ووفق التجارب، يرجئ دائما الإستحقاقات التي عليه الى “اللحظة الأخيرة” وتالياً هو يستفيد من الوقت الفاصل بين “الوعد والموعد” في محاولة منه لتحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب.
في مقابل هذه الفئة “المتفائلة” تبرز فئة أخرى لا ترى أي حل ممكن بموافقة النظام السوري، لا في آذار ولا بعده، في حال بقيت الأمور عند هذا الحد من التعاطي العربي والدولي مع دمشق.
وتستند وجهة النظر هذه الى المعطيات الحالية كما الى دروس التاريخ.
ماذا، بداية عن المعطيات الحالية؟
خلافاً لكل “البروبغندا” التي هدفت منذ تمّ فتح الملف الرئاسي في لبنان، لا يبدو ان العماد ميشال سليمان هو الشخصية التي ترغب دمشق بوصولها الى رئاسة الجمهورية اللبنانية، لأن تجارب النظام الأمني السوري مع قائد الجيش اللبناني “غير مشجعة” على الإطلاق، إذ تصطدم بشخصية لم تتنازل حتى في عزّ الوصاية عن إقامة توازن دقيق بين ضرورتين ملحتين: العلاقات الممتازة مع سوريا والحماية المميّزة للإستقرار اللبناني.
وهذا النهج يستحيل أن تقبل به دمشق، لا بل أنها تفضّل ألف مرة شخصية صدامية وعدائية تعطيها مبرر الإنقضاض على لبنان، على شخصية تعمل لحماية مصالح لبنان العليا من خلال “تهدئة الخواطر”.
وفي الذاكرة اللبنانية، ان النظام السوري لم يتعاط بعداء سافر إلا مع هذه النوعيات من القادة اللبنانيين، فالرئيس الشهيد رفيق الحريري لم يكن سوى رائد من رواد هذا النهج، وكذلك الرئيس الشهيد رينيه معوض، من دون المرور على “نصائح” شخصيات سياسية كبيرة لا تزال على قيد الحياة وبعضها يلعب دوراً مؤثراً في المسار اللبناني الحالي.
ولعل البعض الذي يعود الى مبررات انتخاب الرئيس السابق اميل لحود ومن ثم التمديد له، يتوقف عند الكلام الكثير الذي قيل عن إن لحود “لا شريك لسوريا فيه”، فهو رجلها مئة بالمئة. وفي روايات النائب السابق لرئيس الجمهورية السورية عبد الحليم خدام أن نجم لحود بدأ يصعد في سماء الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد عندما قال قائد الجيش اللبناني للموفدة الأميركية الى لبنان دانيال بلاتكا التي كانت تعترض على سطوة دمشق على لبنان: “يا سيدتي، أنا لا أعتبر نفسي سوى جندي صغير في جيش حافظ الأسد”.
ميشال سليمان ليس كذلك، بدليل وقوفه الصارم في الثامن والعشرين من شباط 2005 ضد قرار حكومة عمر كرامي الممهور بتوقيع سليمان فرنجية، والرامي ليس الى منع تجمع اللبنانيين في ذاك اليوم في ساحة الشهداء، بل الإقدام قبل ذلك على نزع الخيمة المحاذية لضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري، بالقوة، أي بسفك الدماء.
وقد كان لافتاً لانتباه الكثيرين في نيسان 2005، الكلام الساخر من قائد الجيش الذي قاله المخابراتي رستم غزالي وهو ينسحب من لبنان “لنر الآن كيف سيتمكن ميشال سليمان من حماية الإستقرار في لبنان. هؤلاء مجانين، سيدفعون الثمن”.
إذاً، وبهذا المعنى فالعماد سليمان ليس من النوعية التي تجذب النظام السوري، لأنه الترجمة الحرفية لما يُعاديه هذا النظام في لبنان: الإستقرار.
ولو كان النظام السوري يرتضي بهكذا نهج في لبنان، لما كان قد تجاوز كل الضغوط العربية والدولية وأقدم على اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لا بل لما كان في الأساس قد وقف هذه الوقفة النازية من أجل تمديد ولاية الرئيس السابق أميل لحود.
وتأسيسا على هذه التجربة، ثمة من يقول إن النظام السوري يُفضل إدارة صراع كبير مع الدول العربية ومع المجتمع الدولي على رؤية لبنان يتعافى بعيدا من سطوته المباشرة أو غير المباشرة، وهذا ما حصل منذ بداية العام 2004 حتى الأمس القريب.
وفي هذا المجال، يستحيل على اي مراقب للواقع اللبناني أن يتخطى بسهولة ثلاثة أحداث مؤثرة، أولها اغتيال “اليد اليمنى” لسليمان اللواء الشهيد فرانسوا الحاج، ثانياً ثبوت ان مطالبة قوى الثامن من آذار بالثلث المعطل على الرغم من إعطاء “الرئيس” الصوت الوازن في القرار ليس سوى تأكيد اللاثقة بسليمان، ثالثاً تماهي الكلام المنسوب الى “المطلوب” شاكر العبسي مع “اميركية” سليمان مع كلام قاله كثيرون في قوى الثامن من آذار عن قائد الجيش اللبناني عندما رفض التعاطي مع مخيم نهر البارد على أساس أنه “خط أحمر” بل مجرد مأوى لمجموعة إرهابية قاتلة.
وهنا بالذات، وبعيدا عن التوقف عند الثمن الإيراني المطلوب أيضا لتوكيل النظام السوري بالملف اللبناني، تبرز المعطيات التاريخية، فالتجربة مع هذا النظام السوري تُظهر أنه يستطيع ان يرضى بحل للبنان، بالشراكة مع أحد، عربياً كان أم دولياً، لذلك دخل لبنان حرباً ضروساً تحت شعار سوري معروف “لا للتعريب ولا للتدويل”، وجل ما يمكن أن تقبل به سوريا، في حال الإضطرار، هو أن ترعى هي، وبما يناسبها، أي تصور عربي أو دولي للحل، وفق ما حصل في اتفاق الطائف، ووفق ما حصل عند إدخال قوات الردع العربية الى لبنان.
وتأسيساً على ذلك، يبدو واضحاً ان الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى سيُمنى بفشل تلو الفشل في لبنان، تماما كما حصل مع وزير الخارجية الفرنسية برنار كوشنير.
كيف يكون الحل إذاً؟
هناك طريقان، إما الإستسلام لدمشق بإدخال سوريا مباشرة على خط الإتصالات العلنية و”المشرعة” مع كل القوى اللبنانية، وإما الإستعداد للسيناريو التركي الذي انتهى بتسليم عبد الله أوجلان.