يا لسذاجتنا!
احمد عياش
كاتب هذه السطور عندما أنجز مساء السبت الماضي كتابة هذه الزاوية لتصدر في اليوم التالي، اي الاحد، كالمعتاد أدركته انباء القاهرة وما أنجزه وزراء الخارجية العرب من خطة عمل لحل الازمة الرئاسية في لبنان. كان الخيار متاحاً لابدال ما ورد في تلك المقالة واحلال التفاؤل مكان التشاؤم والتساؤل والشك ولاسيما في الموقف السوري وتوابعه في لبنان وخارجه. لكن الحدس انبأه بان الحذر واجب ولا بد من انتظار حقائق الارض، فكانت هذه الحقائق تصديقا لحدس الحذر.
وامس عندما غادر الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى بيروت الى القاهرة آثر ايضاً الا يحسم التوقعات فقال: “انا لا أريد ان اعطي جرعة تفاؤل ولا أريد ان اصف الموقف بأي تشاؤم”.
كي لا يقع المرء في مطبات التوقعات التي تعكس الاماني، ولو كانت هي اماني جمهور الاكثر عدداً في هذا الوطن ومعه العالم، لا بد ان يسأل نفسه: لو كنت مكان الآخر في الوطن وفي المنطقة فماذا انت بفاعل اذا طلبت منك المساهمة في حل ازمة لبنان رئاسة جمهورية وحكومة ومجلساً نيابياً وكل ما يمت الى المصير اللبناني بصلة؟
لو كنت حاكماً لسوريا، وأشاهد الجميع تقريباً في دنيا العرب والعالم يلحون عليّ ان اساهم في هذا الحل نظراً الى ما لديّ من نفوذ على بعض الفئات اللبنانية لقلت، وانا فعلا اقول، في قرارة نفسي: “جاءت والله جاء بها”. فانا غارق في أزمة حكم لانني سلطة مكروهة من شعبي عموماً وفاشل سياسياً واقتصادياً. كما أنني غارق في أزمة استراتيجية على مستوى المنطقة نسبة الى ما هي عليه سوريا من موقع ودور. فأنا راغب في سلام مع اسرائيل ولكنني لست انور السادات لاغامر. وانا طامح الى استعادة الود المفقود مع اميركا ولكن اميركا لم تعد تعاملني كما كانت اثناء حرب تحرير الكويت. وانا ساع الى تكرار زمن التدليل العربي، ولاسيما الخليجي منه، ولكن هيهات بعد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. وفوق كل ذلك، ينبئني حدسي بأن تقرير لجنة التحقيق الدولية ومعطيات الاصدقاء حوله لن تعفي نظامي من المسؤولية المباشرة عن هذه الجريمة. ووسط كل ذلك، يقولون: ساعدنا في حل أزمة لبنان. يا لسذاجتهم! هل نسيوا انني انا من احتاج الى المساعدة. انما جاءت والله أتى بها.
ولو كنت حاكماً لايران لقلت أشياء لها قيمتها في ايران كما يقول زميلي السوري وأدركت ان لبنان فرصة يجب ألا تضيع.
لو كنت اميناً عاماً لـ”حزب الله” لما ذهبت الى غير ما ذهب اليه الحاكمان السوري والايراني. وفي الاصل: ماذا ينفعني العالم اذا ما خسر هذان الحاكمان في لبنان؟ لذلك على من يطلب مني ان أنهي ازمة لبنان الرئاسية واخراج الخيم من وسط بيروت والانضواء ضمن استراتيجية دفاع ينفذها الجيش اللبناني، ان يفهم انه لا يفهم، فانا نزلت قبل الخيم الى رياض الصلح بكل جمهوري من الطفل الرضيع الى الشيخ الذي يستعد لملاقاة ربه لكي اهتف بحياة بشار الاسد في 8 آذار 2005 وذهبت الى مقاطعة الحكومة عندما أدركت ان سيف المحكمة الدولية بدأ يُشهر في وجه النظام السوري. واشعلت فتيل حرب مدمّرة في تموز 2006 التي ما كانت لتحصل اطلاقاً لو بقي الجيش السوري في لبنان فلم يخرج منه في ربيع 2005. ألم يفهموا بعد ان تعطيل لبنان هو الملاذ الوحيد الباقي لي؟ يا لسذاجتهم ان يطلبوا مني ان اتخلى عن ملاذي الاخير.
حقاً يا لسذاجتنا، أكثرية اللبنانيين والعرب والعالم تطلب من هؤلاء السادة ان يمنحوا لبنان حريته! فكروا في طريقة اخرى.