هل يعود موسى ؟
علي حماده
هكذا غادر الامين العام للجامعة العربية بيروت من دون ان يعلن رسميا فشل مهمته، او اقله من دون ان يكشف عملية تفشيل منهجية تعرضت لها مهمته. فالاطراف اللبنانيون الذين أجمعوا في الشكل على الترحيب بالخطة العربية، أغرقوها بلعبة الارقام، ولا شك في ان ما سماه وزير الخارجية بالوكالة طارق متري “غموضا بناء” في النص يتيح نوعا من المرونة في التعامل مع الخطة العربية، انقلب ليصير نقطة ضعف أساسية لم يسعفها قول موسى لدى وصوله ان الخطة واضحة ولا تحتاج الى تفسير، ولا قوله قبيل مغادرته البارحة ان الاهم هو انتخاب الرئيس ومن ثم يكون موضوع تأليف الحكومة بيده. فالمعارضة لم تعط مرشح الاجماع العماد ميشال سليمان سلفة في السياسة إنما اصرت على امتلاكها الثلث المعطل في الحكومة بما يحرم الرئيس المقبل الاضطلاع بدور الحكم بين الاطراف، وبما يمنعه من ان يكون صاحب الصوت الوازن. فما معنى ان تتوقف الثقة بسليمان عند جدار الثلث المعطل؟
قد يكون أهم ما فعلته الغالبية الاستقلالية في لبنان انها حصرت تراجعاتها بالعماد ميشال سليمان، وانها لم تسلم للمعارضة بامتلاك الثلث المعطل، وإلا لكانت سلمتها البلاد، وأنهت معركة استكمال الاستقلال بأكبر عمل استسلامي لا بل خياني في تاريخ لبنان.فمنح “حزب ولاية الفقيه” ومن حوله الثلث المعطل في الحكومة المقبلة معناه ان النظام السوري عاد الى حكم البلاد في شكل او في آخر، في حين انه اليوم ورغم كل النجاحات التي أحرزها في المدة الاخيرة بفعل اخطاء الآخرين في الدرجة الاولى، لم يتعد كونه عنصرا يمارس سياسات سلبية، وسلوكا تخريبيا باعتراف غالبية اللبنانيين، وكل العرب والمجتمع الدولي بأسره. فبين ان نبقى نقاوم سلوكيات نظام دمشق الراهنة، او ان نقبل بعودتها الى حكم لبنان مسافة كبيرة.
وحده عمرو موسى يستطيع ان يعلن من تسبب بفشل مهمته، وقد أعلنه بطريقة استدلالية عندما صرح اكثر من مرة ان الخطة العربية واضحة جدا، وان المهمة العاجلة تكمن في انتخاب الرئيس، ومن ثم يكون من مهماته ان يشكل مع رئيس حكومة مكلف حكومة الوحدة الوطنية. ولعل اهم ما قاله رفضه، عبر الايحاء، مبدأ الثلث المعطل الذي تصر عليه المعارضة بقوله “ان التعطيل لا يجوز ومش معقول”! ومن هنا كان السؤال: هل يعود موسى الاربعاء المقبل؟
ولا بد لنا من الاشارة الى مسألة طرحها الرئيس امين الجميل ثم الرئيس عمر كرامي، كل من موقعه ولأسبابه التي لا تتقاطع بالضرورة، مقترحين تشكيل حكومة تكنوقراط (الجميل) او حيادية (كرامي). ونقول هنا وإن جدلا إنه لو امكن تعميم الحيادية على مؤسستي مجلس الوزراء ومجلس النواب لأمكن البحث بجدية في الاقتراح. ففرض الحيادية في رئاسة الحكومة يجب ان يوازنه فرض الحياد في رئاسة مجلس النواب لما تبقى من ولاية الرئيس الحالي! فهل يسع المعارضة ان تفكر بالامر بجدية؟
خلاصة الامر اننا لم نكن نتوقع للخطة العربية ان تترجم حلا في لبنان، ما دام الخيار في سوريا وايران هو خيار الفراغ، والاجتهاد في الانقلاب على النظام اللبناني عبر اداة المعارضة. وما دام الجار الأقرب على حاله لن يرتاح لبنان واللبنانيون تماما كما لم يرتح اهلنا في سوريا منذ زمن طويل. فمن هناك يبدأ التغيير وتبدأ مسيرة تثبيت الاستقرار في المشرق العربي.